تشرفتُ بالحصول على نسخة مهداة من كتابٍ يوثق تجربة الشاعر الراحل صمد دباغ (أوسطا) وهو عمل قام بإعداده وكتابته وطباعته نجله الأستاذ طالب صمد وذلك خلال حفل توقيع الكتاب الذي أقيم في نادي الاخاء التركماني .
وبعد قراءة هذا العمل قراءةً متأنية رأيت أن أشارك هذه النبذة بوصفها قراءة ثقافية تسعى إلى تسليط الضوء على تجربة شعرية وإنسانية شكلت جزءا أصيلا من الذاكرة الأدبية والوجدانية لمدينة كركوك.
ما يلي ليس عرضا لغلاف كتاب ولا توثيقا لحدثٍ شخصي بل محاولة لتقريب القارئ من عالم شاعرٍ كانت الكلمة لديه موقفا وكانت القصيدة امتدادا لهويةٍ وقضية كما عرضها هذا الكتاب بوصفه جهدا توثيقيا وفيا لذاكرة الأب وصوته.
صمد دباغ … شاعر الأرض وصوت الصبر
وُلِد صمد أوسطا عام 1919 في محلة بريادي إحدى زوايا كركوك العتيقة حيث تختلط رائحة التراب بندى الذاكرة وحيث تُولد الحكايات من صمت الأزقة. انحدر من عائلة البيرقدار فكان ابن بيئةٍ صلبة تعلم منها الصبر قبل الكلام والكرامة قبل الحروف.
فتح عينيه على الحياة وتعلم في كتاب صغير تعلم فيه القراءة والكتابة لكنه سرعان ما تعلم ما هو أعمق من الحروف تعلم أن للكلمة روحا وأن للصمت معنى وأن للإنسان قضية لا يكتمل دونها. ومن هناك بدأ صوته يتشكل صوتا قريبا من الناس نابضا بوجعهم وأحلامهم.
احترف مهنة الدباغة التي ورثها عن آبائه فكانت يداه تعملان في الجلد بينما كانت روحه تنقش المعاني في الوجدان. ومن هذه المهنة وُلد لقبه «دبّاغ» اسمٌ صار علامة على الصبر والكفاح وعلى رجل لم ينفصل يوما عن تعب الناس وبساطتهم.
لم يكن صمد أوسطا شاعر كلمات فحسب بل شاعر موقف. ذاق مرارة السجون وتعرض للاعتقال والتعذيب مرات عديدة لكنه لم ينحنِ ولم يساوم ولم يبدل دربه. كان يؤمن أن الكلمة التي لا تُدفع ثمنا لا تستحق أن تقال فدفع الثمن صبرا ووجعا وبقي واقفا.
وفي سنواته الأخيرة أثقل المرض جسده وأقعده الفراش طويلا غير أن روحه ظلت يقِظة شامخة لا تعرف الانكسار. ظل يحمل في صمته ما لم تعد الكلمات قادرة على حمله.
وفي يوم الخميس التاسع من تشرين الأول عام 2008 أسلم روحه بهدوء كمن أنهى رسالته ومضى. لكنه لم يغب… فقد ترك خلفه أثرا لا يُمحى وصوتا لا يخفت وذاكرةً تسكن وجدان كركوك.
كان صمد أوسطا أكثر من شاعر
كان ضميرا حيا
وكانت كلمته وطنا.
قصائد هذا الشاعر ليست كلمات تُقرأ بل مشاعر تُحس ونبضٌ يخرج من القلب ليصل إلى الأرواح. في كل بيت وجعٌ صادق وأمل دفين وصوتُ إنسانٍ عاش لقضيته ولم يتخل عنها…
لم أشارك سوى قصيدتين فقط لكن الحقيقة أن هذا الكتاب كله يستحق أن يُقرأ من أوله إلى آخره لأنه يحمل روح شعب وذاكرة وطن. أوصي بهذا العمل من القلب إلى كل أبناء القومية التركمانية ليبقى الصوت حيا والذاكرة يقظة والهوية راسخة لا تزول.
