اسباب تراجع قوة التركمان في العراق !
فوزي توركر
يشكل تركمان العراق في موطنهم توركمن ايلي الممتد من تلعفر في شمال غرب العراق إلى مندلي في شمال شرق بغداد، أحد أقدم المكونات القومية في بلاد الرافدين،حيث انهم لعبوا عبر تاريخهم الطويل أدوارا سياسية وثقافية في غاية الأهمية لا سيما في الموصل وتلعفر وكركوك وطوزخورماتو وديالى.ومع ذلك فأن مكانتهم قد تراجعت كثيرا في العقود الأخيرة بشكل خطير يستوجب قراءة تحليلية سريعة متعددة الأبعاد لفهم اسباب هذا التراجع المهدد لمستقبلهم في العراق.
يعتبر غياب الوحدة السياسية والانقسام المذهبي من أبرز عوامل الضعف التي تساهم كثيرا في تراجع قوة التركمان.فقد إنقسمت النخب السياسية والثقافية التركمانية بين توجهات حزبية ومذهبية، الأمر الذي أدى إلى تشتت القرار السياسي وفقدان القدرة على تشكيل كتلة ضغط مؤثرة داخل النظام السياسي العراقي.كما ان ضعف البنية المؤسسية والتنظيمية أدى إلى هشاشة الموقف السياسي التركماني .
اما على الصعيد السياسي العام ،فقد اسهمت إعادة تشكيل النظام السياسي الجديد في العراق بعد عام ٢٠٠٣ وفقا للدستور المعمول به حاليا على أسس قومية ومذهبية في تقليص مساحة التاثير التركماني، إذ تمركز النظام الجديد حول قوى عربية شيعية-سنية وكردية،بينما ظل التركمان في موقع اقل تاثيرا في الساحة السياسية على الرغم من جذورهم التاريخية ووزنهم السكاني.
ومن الناحية الإقليمية فقد لعبت التجاذبات بين القو ى الإقليمية دورا معقدا في تراجع قوة التركمان .وبالنسبة لتركيا فانها وإن كانت تعتبر الداعم الأكبر للتركمان،فان دعمها لهم لم يتحول ابدا إلى نفوذ سياسي ملموس داخل العراق، خاصة في ظل التنافس مع قوى إقليمية اخرى كإيران التي لها تأثيرا قويا في دول أفريقية وعربيةعديدة منها العراق اذ لها تاثيرا قويا
داخل النظام السياسي العراقي.
كما لا يمكن أن نتجاهل دور التغيرات الديمغرافية خصوصا في كركوك وغيرها من مناطق تركمان ايلي التي اعتبرتها المادة ١٠٥ الدستورية المنتهية صلاحيتها مناطق متنازع عليها. فقد شهدت هذه المناطق ممارسات تعريب واسعة في زمن البعث وممارسات تكريد مماثلة بعد عام٢٠٠٣ أثرت بشكل مباشر على تراجع الوزن السكاني للتركمان والتالي على تمثيلهم السياسي.
وبالإضافة لذلك فقد ادت الحروب والصراعات وبالاخص بعد سيطرة تنظيم دولة الإسلام في العراق والشام الإرهابي (داعش) على الموصل وغيرها إلى حدوث هجرة واسعةمن المناطق التركمانية الى مناطق اخرى في العراق والى البعص من دول الجوار، ما ا أسهم في اضعاف القدرات السكانية والاجتماعية والاقتصادية للمكون التركماني .
على الرغم من ان التركمان هم ثالث اكبر مكون في العراق فان ترجع قوته ناتج من تفاعل معقد بين عوامل الانقسام السياسي والمذهبي والمناطقي وضعف الشعور القومي، وضعف المؤسسات التركمانية، وعوامل التنافس الإقليمي والتحولات السياسية.
إن معالجة تراجع قوة التركمان في العراق لا تعتبر عملا مستحيلا ، كما أنه لا يمكن اعتبار هذا التراجع انتهاءا للقضية التركمانية واختفاءها في العراق .فاستعادة الدور التركماني وتعزيزه تتطلب مشروعا سياسيا تركمانيا موحدا وبناء مؤسسات نشيطة ومؤثرة، ونيل الدعم الإقليمي وفي مقدمتها الدعم التركي ضمن استراتجية واضحة ومدروسة.
وموضوع استعادة التركمان لقوتهم هو أمر يتعلق بالتركمان أنفسهم، فانهم إما يختارون الاستمرار على حالة التشتت والتشرذم التي يعيشونها حاليا، وإما الانتقال إلى مرحلة العمل السياسي الجاد والمنظم الذي يعيد لهم مكانتهم التاريخية ودورهم الوطني.
