السجناء ومخيم الهول… بين التحدي الإنساني والخطر الأمني
عمار كهية
يشكّل ملف نقل الإرهابيين والمعتقلين وعوائلهم وأطفالهم من السجون والمخيمات الواقعة في شمال شرق سوريا، ولا سيما مخيم الهول، والبالغ عددهم حسب ما أعلن رسميًا نحو 7000 شخص، أحد الملفات الخطرة التي تواجه الدولة العراقية في هذه المرحلة الحساسة. ورغم خطورة هذا الملف، كان العراق مضطرًا للتعامل معه، لكون محاكمه وأجهزته الأمنية هي الجهة الوحيدة القادرة على تمييز البريء من المجرم وتحديد حجم الجريمة والمسؤولية القانونية. وعليه، لا يمكن اختزال هذا الملف بالبعد الإنساني فقط، بل يرتبط مباشرة بـ الأمن القومي والعدالة واستقرار المجتمع العراقي.
غالبية الموجودين في هذه المخيمات هم إما مطلوبون للتحقيق، أو محكومون، أو قيد التدقيق الأمني والقضائي، فضلًا عن صعوبة التمييز بين البريء والمتورط، وانتشار الهويات المزورة، واحتمال وجود أطفال ونساء مخطوفين من مناطق عراقية مختلفة، لا سيما تلعفر وسهل نينوى وسنجار.
ويكمن التحدي الأكبر في أن أي معالجة متسرعة أو غير مدروسة لهذا الملف قد تفتح الباب أمام إعادة إنتاج الإرهاب، سواء عبر تنشيط الخلايا النائمة أو نقل الفكر المتطرف إلى داخل المجتمع العراقي، خصوصًا في حال غياب إجراءات دقيقة للتحقيق والتأهيل والمراقبة.
ومن هنا، يجب أن تقوم معالجة هذا الملف على مقاربة سيادية شاملة توازن بين الأمن الوطني، وحقوق الضحايا، والالتزامات الإنسانية. ويبدأ ذلك بتثبيت الهوية الحقيقية لكل محتجز أو مستعاد، عبر فحوصات DNA إلزامية، والإسراع في إصدار البطاقة الوطنية الموحدة وتثبيت البيانات البيومترية، لمنع التلاعب بالهويات أو الإفلات من العدالة.
كما يُعد إنصاف الضحايا ركيزة أساسية، عبر فتح باب المراجعة لعوائل المفقودين والمخطوفين، ودعوة عوائل الشهداء وضحايا تنظيمَي داعش والقاعدة لتقديم ما لديهم من معلومات، ومطابقتها مع بيانات الأجهزة الأمنية، بما يسهم في كشف الحقيقة كاملة.
وعلى مستوى الشفافية، فإن نشر أسماء وصور الإرهابيين الذين يتم استقدامهم من سوريا عبر وسائل الإعلام الرسمية يتيح للمجتمع المشاركة في التعرف عليهم، ويمنع طمس الجرائم أو تمييع المسؤوليات.
أما في الجانب الدولي، فلا بد من الإسراع بإعادة العوائل من الجنسيات غير العراقية إلى بلدانها الأصلية بعد انتهاء التحقيق، عبر اتفاقيات أمنية ودبلوماسية واضحة وملزمة، بما يخفف العبء عن الدولة العراقية ويمنع تحويل العراق إلى مستودع دائم لملفات الإرهاب العالمية.
وفي ما يخص العوائل والأطفال غير المشمولين بالمطلوبية القانونية، فإن إدارتهم يجب أن تتم بحكمة ومسؤولية وهدوء، عبر تسليمهم إلى ذويهم أو شيوخ عشائرهم بموجب تعهدات قانونية خطية، مع إخضاعهم لرقابة أمنية وقضائية، وإجراء فحوصات طبية ونفسية شاملة، وإعادة الأطفال إلى المدارس ضمن برامج تأهيل فكري واجتماعي تمنع انزلاقهم مجددًا نحو التطرف.
إن هذا الملف ليس اختبارًا إداريًا أو إنسانيًا فحسب، بل اختبار حقيقي لهيبة الدولة وقدرتها على حماية مواطنيها وصون دماء أبنائها. وأي تساهل أو معالجة جزئية ستكون كلفته عالية على المدى القريب والبعيد.
