للتركمان اكثر من دولة اسسوها في العراق،، ولهم دورهم البارز في صياغة تاريخ العراق السياسي والعسكري والادار ي .ولولا الدول التركمانية،لكان الصليبيون قد قضوا على الاسلام واللغة العربية في المنطقة. ولكنه لامر مؤسف ان يمر هذا المكون العريق غير الطاريء اليوم في موطنهم التاريخي الممتد من تلعفر إلى مندلي بمرحلة هي الأخطر في تاريخهم الحديث في العراق. فالتراجع الديموغرافي ،والانقسام السياسي والمناطقي، والانقسام المذهبي فهو الأكثر تهديدا لوحدة ومستقبل التركمان، وضعف الوعي القومي،وفقدان السيطرة الفعلية على ارض الآباء والاجداد، قد جعلت مستقبل الوجود التركماني ضعيفا ومهددا.
إن التحدي في جميع المناطق التركمانية (توركمن ايلي) وفي مقدمتها كركوك التي كانت بمثابة القلب للتركمان، حيث تراجع فيها عدد اصحابها الاصلاء الآن الى مستوى الاقلية بفعل ممارسات التهميش الممنهج والهجرتين العربية والكردية ، لم يعد يعني التمثيل السياسي والحقوق او المناصب فقط ، وإنما يعني انه اصبح تحديا يطال بقاء التركمان وهويتهم القومية على ارضهم التاريخية.
إن سياسات التغيير الديموغرافي من خلال التهجير القسري ،والتهجير غير المعلن ، وحملة التعريب التي بدأ بها نظام البعث الغاشم في جميع المناطق التركمانية ومن ثم اعقبتها حملات التكريد بعد عام ٢٠٠٣، وممارسات التهميش الممنهج التي يتعرض لها التركمان ومناطقهم منذ عقود،ادت الى اضعاف الدور التاريخي للتركمان في ظل غياب موقف تركماني موحد قادر على مواجهة التحديات .
المشكلة الأساسية في القضية التركمانية تكمن في الانقسام الداخلي؛ تعدد الاحزاب،تضارب الخطاب السياسي،وتغليب المصالح الشخصية الضيقة على المصلحة العامة. وتحويل القضية التركمانية من ملف وطني إلى أصوات متفرقة لا تؤخذ بعين الاعتبار. والاخطر من كل ذلك هو غياب المدافع السياسي الحقيقي عن التركمان،فالحكومة المركزية في بغداد ضعيفة،وتتعامل القوى الإقليمية مع الملف التركماني كقضية ثانوية،بينما المجتمع الدولي يلازم الصمت المطبق. هذا الفراغ مما لا شك فيه يعرض التركمان لمختلف انواع الضغوط التي تستهدف مستقبلهم .
ومع كل ذالك فإن الاخطار المحدقة بالتركمان من جميع الجهات، لا تعني نهاية التركمان وزوالهم او انصهارهم في بوتقة المجموعات العربية والكردية الوافدة إلى مناطقهم. والتا ريخ يثبت بان الشعوب لا تزول عن الوجود بمجرد فقدان الأرض وحدها ، بل انها تزول عندما تفقد الوعي القومي والارادة.
مستقبل الشعب التركماني في العراق مرهون بثلاثة أمور اساسية هي: التخلص السريع من حالة الانقسام السياسي الداخلي والانقسام المذهبي، ظهور جيل واع حر الارادة، والاعتماد على النفس وتجنب انتظار مجيء من ينقذه من غير ان يلجأ هو للكفاح بمختلف اشكاله من أجل الحقوق ، وصياغة نظام داخلي رصين يعمل وفقا للنصوص القانونية والدستورية والتوثيق البعيدة عن الشعارات الفارغة المضمون .
لقد مضى اكثر من قرن والتركمان لم يختاروا الكفاح كغيرهم طريقا لاجل إثبات الوجود ونيل الحقوق ،ولكنهم ظلوا متقاعسين وخمولين في مجال الكفاح ، وانتظروا من ياتي وينقذهم مما يلاقونه ،كما وانهم لم يستخرجوا الدروس والعبر من مجازر رهيبة تعرصوا لها في كركوك عام ١٩٥٩م وجريمة إعدام الدكتور نجدت قوجاق ورفاقه عام ١٩٨٠م ومجزرة آلتون كوبرو عام ١٩٩١م ومجازرتنظيم داعش عام ٢٠١٤م في تلعفر الجريحة وغيرها من المدن التركمانية.
إذا استمر التركمان على الرغم من ماضيهم التار يخي المجيد في العراق، وعلى الرغم من انهم يشكلون ثالث اكبر المكونات في العراق على وضعهم المزري الراهن ،فان مستقبلهم سيكون مظلما ومعرصا لخطر الانصهار .ولكنهم اذا ما تمكنوا من ترك سلبيات التشرذم والخمول التي اضرت ولا ترال تضر بهم كثيرا ، وحافظوا على نسلهم ولغتهم وتقاليدهم وبدأوا باعادة تنظيم أنفسهم على اساس الهوية القومية الجامعة والمصلحة العليا فإنه سيكون باستطاعتهم التغلب على خطر الزوال من خلال الانصهار في بوتقة الوافدين إلى موطهم توركمن ايلي.