في ذكرى يوم الشهيد التركماني اربعة أسماء… وأمة من الصبر
بقلم : علي البياتلي – بغداد
لم يكن السادس عشر من كانون الثاني عام 1980 يومًا عابرًا في تقويم العراق بل كان لحظة فاصلة انكشفت فيها طبيعة الاستبداد عاريةً من أي قناع حين قررت السلطة أن تواجه الكلمة بالحبل والهوية بالمقصلة والذاكرة بالنسيان القسري. في ذلك الفجر الثقيل أُعدم عبد الله عبد الرحمن وعادل شريف ونجدت قوجاق ورضا دميرجي لا لأنهم حملوا سلاحًا أو دعوا إلى عنف بل لأنهم حملوا معنى ولأنهم آمنوا بأن الانتماء القومي لا يتناقض مع الوطنية وأن العراق لا يكتمل إلا بجميع أبنائه دون إقصاء أو إنكار.
وُلد هؤلاء الرجال من رحم معاناة تركمانية طويلة تشكّلت عبر قرون من الوجود الأصيل في جغرافية العراق وتاريخه وكانوا أبناء مرحلة قاسية حُوّلت فيها المطالبة بالحقوق الثقافية والإنسانية إلى جريمة أمنية. لم يكن مشروعهم سياسيًا ضيقًا ولا طموحهم سلطويًا بل كان مشروع كرامة يطالب بالاعتراف وباللغة وبالعدالة وبالشراكة في وطن يفترض أن يكون جامعًا لا طاردًا او قاتلا او نافيا . غير أن الأنظمة الشمولية والدموية الكتاتورية بطبيعتها لا ترى في الهدوء حكمة ولا في العقل قوة بل ترى في كل صوت مستقل تهديدًا وجوديًا لها وفي كل ذاكرة غير خاضعة خطرًا مؤجلًا.
كان عبد الله عبد الرحمن رجل الكلمة المتزنة يؤمن بأن القضايا الكبرى لا تحتاج إلى صراخ بل إلى ثبات. عُرف بهدوئه العميق وبإيمانه بأن الحرية لا تُوهب وأن الصبر ليس ضعفًا بل استراتيجية أخلاقية. كان يقول كما يروي من عرفه إن القضية التي لا تحتمل السجن لا تستحق أن تُدافع عنها الأجيال. وحين اعتُقل لم يسأل عن مصيره بل عن مصير الفكرة وكأن الجسد في نظره تفصيل عابر أمام بقاء المعنى.
أما عادل شريف فقد كان أقرب إلى الناس من أي توصيف سياسي. حمل هموم البسطاء وتكلم بلسانهم ورأى في القضية التركمانية قضية إنسان قبل أن تكون قومية. لم يكن خطابه حادًا لكنه كان صادقًا والصدق في زمن الخوف يُعد تهمة لا تُغتفر. أحبه الناس ولذلك خافته السلطة لأن الشعبية الأخلاقية أخطر على الاستبداد من أي تنظيم سري.
وجاء نجدت قوجاق ممثلًا لجيل شاب واعٍ وجمع بين الثقافة والالتزام ورأى في العمل السلمي والمؤسسي طريقًا لا بديل عنه. كان حضوره مقلقًا لأنه جسّد الاستمرارية ولأن السلطة أدركت أن الأفكار التي تسكن عقول الشباب لا يمكن إعدامها بسهولة. وحين خُيّر بين الاعتراف والنجاة اختار أن يبقى وفيًا لنفسه مؤمنًا بأن النجاة التي تمر عبر الخيانة ليست نجاة بل موت مؤجل.
أما رضا دميرجي فكان رجل الموقف الواضح الذي لا يلتبس. لم يخفِ قناعته بأن الصمت هو الهزيمة الحقيقية وأن الكلام مهما كان ثمنه هو الشكل الوحيد للنجاة المعنوية. كان يدرك أن النهاية قد تكون قريبة لكنه آمن أن الأثر هو ما يبقى وأن الموت مرة واحدة أهون من الموت كل يوم تحت وطأة الصمت والإنكار.
اعتُقل الرجال الأربعة في ظروف قاسية وخضعوا لاقسى انواع التحقيقات والتعذيب والممارسات اللاانسانية وافتقرت إلى أدنى معايير العدالة ثم قُدّموا إلى محاكمات صورية لم تكن سوى واجهة قانونية لقرار سياسي متخذ سلفًا. لم تُعرض أدلة حقيقية ولم يُسمح بدفاع فعلي لأن الحكم لم يكن يبحث عن حقيقة بل عن رسالة ترهيب موجهة إلى المجتمع التركماني بأكمله. وفي فجر السادس عشر من كانون الثاني نُفذ حكم الإعدام شنقًا دون وداع ودون اعتراف بإنسانية الضحايا في محاولة لتحويل القادة إلى عبرة والصوت الحر الشريف إلى خوف.
غير أن المأساة لم تتوقف عند لحظة الإعدام بل بدأت بعدها معاناة أخرى صامتة وطويلة عاشتها زوجاتهم وعائلاتهم. نساء وجدن أنفسهن فجأة أمام فراغ لا يُملأ وأطفال كبروا وهم يحملون أسماء آبائهم مقرونة بصفة “المعدوم سياسيًا”. تعلّمت الزوجات كيف يكنّ أمهات وآباء وذاكرة في آن واحد وكيف يشرحن لأطفالهن الغياب دون أن يزرعن الكراهية ودون أن يخنّ الحقيقة. كان صبرهن امتدادًا للشهادة وكانت حياتهن اليومية مقاومة هادئة للنسيان.
تقول احدى زوجات الشهداء انه يوم اعتقال زوجي ترك لي بعض كلمات قال فيها :
إن تأخرتُ لا تحزني… تأخير الأحرار ثمنه الوطن … ولكنه لم يعد بعدها ابدا .
وزجة اخرى من زوجات الشهداء قالت :
—أخذوا زوجي لكنهم لم يأخذوا اسمه من قلبي.
وكانت زوجة اخرى تقول بالم وحزن :
—لم أبكِ يوم الإعدام… بكيت حين كبر ابني وسألني: هل كان أبي خائفًا؟
فأجبته:
— كان شجاعًا لدرجة أنه لم يخف.
أُعدم هؤلاء الرجال لأنهم رفضوا الذوبان بين المتملقين والتابعين ولأنهم قالوا إن التركماني ليس طارئًا في وطنه وإن التعددية ليست تهديدًا بل ثراء وإن القوة التي لا تعترف بالآخر لا تصنع دولة بل تصنع خوفًا مؤقتًا. أرادت السلطة بإعدامهم أن تطوي صفحة لكنها فتحت فصلًا طويلًا في الذاكرة التركمانية تحوّل فيه يوم إعدامهم إلى يوم للشهيد وإلى رمز للثبات والكرامة.
بعد أكثر من أربعة عقود لم تنتصر الحبال لأن الحبال لا تكتب تاريخًا. انتصر الذين مشوا إلى الموت واقفين لأنهم تركوا معنى يتوارثه الأبناء. بقيت أسماؤهم حيّة تتردد في الوجدان وتُكتب في الذاكرة الجمعية شاهدًا على أن الظلم مهما طال لا يصنع شرعية وأن الدم المظلوم لا يجف في ضمير الشعوب.
عبد الله عبد الرحمن وعادل شريف ونجدت قوجاق ورضا دميرجي لم يكونوا نهاية قصة بل بدايتها. أُعدموا جسدًا لكنهم بقوا فكرة والفكرة حين تُسقى بالصدق لا تموت. سلامٌ عليهم يوم وُلدوا أحرارًا ويوم استُشهدوا مرفوعي الرأس ويوم يُبعثون في ذاكرة لا تنسى.
سلامٌ على من مشوا إلى الموت واقفين
وسلامٌ على من حوّلوا الحبل إلى راية
وسلامٌ على الذاكرة وعلى التاريخ… لأنها لم تخن.
