شمس الدين كوزه جي
سفير ثقافة تركمان إيلي في العالم التركي[1]
منذ اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بالتفكير في ذاته، تبدأ هواجس المستقبل، ويبدأ بتقييم الواقع المحيط به. لا فرق إن كان المهد في كركوك أو في طرف آخر من العالم، فهذه المشاعر حاضرة فينا جميعًا، وستظل كذلك ما حيينا.
وُلد شمس الدين كوزه جي في كركوك، في الأول من تموز/يوليو عام 1965. وجد نفسه منذ نعومة أظفاره وسط هموم الحياة وأسئلتها الثقيلة، لكنه لم يستسلم لها. سعى، واجتهد، وحلم بمستقبل يصنعه بيديه. ومع تعاقب الظروف، رحل إلى تركيا، إلا أن عينيه ظلّتا شاخصتين نحو كركوك، وقلبه معلّقٌ بأحوال التركمان.
مع مرور الوقت، اتسعت دائرة أصدقائه في تركيا، فكان ربّ أسرة سعيد، يعيش مع زوجته المضحية، وابنته المتفوقة وابنه البشوش، ويعمل في أكثر من موقع، محققًا النجاح أينما حلّ، مخلّفًا أثرًا طيبًا لدى كل من عرفه.
ذنبي أنني تُركي… وحكاية من العراق
تعرفتُ إلى شمس الدين كوزه جي مطلع الألفية الثانية، فوجدتُ فيه إنسانًا يعيش مأساة عنوانها ذنبي أنني تُركي في العراق شغل مناصب عدة: كان مدرسا، رياضيًا، صحفيًا، مراسلًا تلفزيونيًا ومنتجًا إعلاميًا. في كل تلك المجالات، أثبت كفاءته، وأنتج أعمالًا راسخة تُشهد له بها، حتى بات اسمًا مطلوبًا ومحل تقدير واسع. ثم هاجرت إلى تركيا، فثبّت خبراته، وأحبه المحيطون به، وأصبح صديقًا وفيًا يُسأل عنه عند الحاجة، ويُعتمد عليه في المهام. تشاركنا سويًا الكثير من الإنجازات والأنشطة. خصوصًا خلال عمله في ممثلية الجبهة التركمانية العراقية، حيث كانت الأخبار الحصرية المتعلقة بكركوك والتركمان تصلني فورًا عبره، كما كانت كل منشورات الجبهة تصل إليّ بفضله، دون تأخير.
لقد رأيتُ فيه إخلاصًا نادرًا للقضية التركمانية، وتفانيًا لا يعرف الكلل. لم يكن يتوانى عن نشر أي معلومة أو خبر يخص العراق أو التركمان، وكان يُشرك الجميع في مسؤوليته، ويؤمن بالعمل الجماعي.
مع أنه يقيم في تركيا، فإن قلب كوزه جي معلق بكركوك، وسمعه مشدود لأصوات إخوتنا التركمان هناك. لا تمرّ لحظة دون أن يعمل على مدّ جسور التواصل مع التركمان في الشتات، من أذربيجان إلى أوزبكستان، ومن كوسوفو إلى كازاخستان. فكان مثالًا نادرًا في المثابرة والإصرار، حتى مُنح دكتوراه فخرية من أذربيجان، إلى جانب جوائز عدة من مؤسسات مختلفة، زادت من حماسه ونشاطه.
وإن كان لكركوك شعراؤها وكتّابها وإعلاميوها، فإن شمس الدين كوزه جي هو أبرز ممثليهم في تركيا وفي العالم التركي، بل يمكن اعتباره وكالة أنباء مصغّرة، لما يمدّ به المحيطين به من معلومات ومصادر دقيقة. فكل خبر، كل تقرير، كل وثيقة… تصل عبره دون تأخير، وهو لا يخفي فرحته في كل مرة يشارك فيها تلك الأخبار وأعترف في سرّي، أن هذا الجانب منه – دقته وسرعته وحبه للعطاء من أكثر ما أحسدُه عليه.
ما يحمله كوزه جي من حبٍ لكركوك والتركمان لا يوصف. لا يهدأ له بال إن لم يُذكر اسم كركوك في كل ندوة أو مؤتمر أو لقاء، ولا يمرّ موضوع تركماني دون أن يتفاعل معه بكل وجدانه.
كما يوصف المشجع المتعصب لفريقه بالمشجع الفان فإن كوزه جي هو الفان الحقيقي لكل ما يخص التركمان وكركوك، وأنت لا تلبث أن تشعر بذلك عند أول جلسة معه، بل تجد نفسك مندمجًا في تلك الأجواء دون أن تدري. كان يُعرّفني دائمًا لمن يلتقيهم بالقول (هذا عيسى قاياجان، كتب منذ عام 2000 نحو 700 مقال في صحافة الأناضول عن التركمان والجبهة التركمانية وكركوك، وهو الكاتب التطوعي لقضيتنا في عموم العالم التركي لكن ما كان يحزنني أن من يعتبرون أنفسهم “مؤثرين” في القضية، لم يبدوا أدنى اهتمام، وتجاهلوا حتى التفاعل عن بعد).
قيادي ناجح… لا يعرف المساومة
يُعرف شمس الدين كوزه جي بإدارته الحازمة والمنظمة. يضع هدفه نصب عينيه، ولا يرضى بأنصاف الحلول. أحيانًا قد يبدو صارمًا في تعامله، وربما يَجرح دون قصد في سبيل إتمام المهمة، لكن النتيجة دومًا تبرهن على نجاحه في كل ما يتولى.
من التعديل إلى التمكّن
في بداياته الصحفية في كركوك، كان يُسلم مقالاته لأحد رؤساء التحرير، فيقوم بتصحيحها. ثم قيل له ابدأ أنت بالتعديل بنفسك، ثم سلّمها لنا.
ومنذ ذلك اليوم، قرر كوزه جي أن يتقن اللغة والأسلوب، حتى أصبح من أبرز الأقلام في الصحافة التركمانية. وهو لا ينسى فضل من ساعدوه: الراحل نوزاد عبد الكريم وسيف الدين بيراوجي الذي استشهد لاحقًا وكان قد كتب مقالًا عني ما زلت أعتز به حتى اليوم. رحمهم الله وجعل الجنة مثواهم.
مع أسرته… حازم وحنون
في بيته، هو الأب الحنون لأبنته أي بنيز وولده يونس، لكنّه يتحول إلى قائد صارم حين يتعلق الأمر بترتيب القصاصات الصحفية، وتصنيف الوثائق، وكتابة المواد على الحاسوب، وحتى تصوير المؤتمرات. يُربي أبناءه على النظام والانضباط، تمامًا كما يُدير عمله المهني.
إعلامي ومُعدّ برامج تلفزيونية متميز
كوزه جي صحفي من الطراز الرفيع. عناوينه دقيقة، عباراته مختصرة، لكن محتواه ثري. في برنامجه على قناة “توركمان إيلي”، الذي يُبث بلغتين (العربية والتركية)، استضاف شخصيات من مختلف أنحاء العالم التركي، وتناول قضايا مصيرية، أبرزها القضية التركمانية. وقد تابعت تلك الحلقات، وأشهد أنها كانت مثار حديث طويل بعدها.
شارك كمنسق أو مدير في عشرات المؤتمرات والندوات، في أذربيجان، شمال قبرص، كازاخستان، تركمانستان، كوسوفو، وغيرها. وكان حاضرًا دائمًا في المشهد الثقافي والإعلامي.
في الصحف والمجلات التي تولى إدارتها، كانت بصمته واضحة في اختيار الصور والعناوين والتصاميم. أما مقابلاته الصحفية، فكانت غنية بالرسائل والمعاني. هو أيضًا رائد في الإعلام الالكتروني، يتابع التقنية أولًا بأول، ويُدير بتميّز مواقع مثل: www.kerkukgazetesi.com
لقد تعلمتُ منه صعوبة أن تكون صحفيًا في العراق. وأدركت أن الكتابة عن التحديات شيء، لكن أن تعيشها هو أمر آخر تمامًا.
أحيّي شمس الدين كوزه جي، ابن كركوك البار وسفير الثقافة التركمانية في العالم التركي، بكل ما في قلبي من احترام وتقدير.
البروفيسور الدكتور عيسى قاياجان
صحفي متقاعد من رئاسة الوزراء التركية
دائرة الإعلام والعلاقات العامة
***
جريدة 24 ساعه- انقرة.العدد 8575، الصفحة 2، بتاريخ 8 مارس/آذار 2008.[1]
