التراث الثقافي غير المادي لتركمان العراق [[دراسة في الذاكرة الحيّة والهوية الثقافية وسبل الصون]]
دراسة تقدم بها الكاتب والباحث :
علي حسين البياتلي
ملاحظة :
نقدم هذه الدراسة لتكون بمثابة أجوبة على الأسئلة الكثيرة التي واجهتنا بخصوص مفهوم العلمي والاكاديمي الصحيح لعنوان (( التراث الثقافي غير المادي )) وكذلك ملاحظتنا ومتابعتنا لبعض التصريحات الإعلامية التي لم توصف بشكل صحيح والدقيق لمفهوم العنوان.. وكذلك الخلط و الجمع بين التراث الثقافي وبين التراث الفلكلوري مثل الازياء فلكلورية وبين التراث المعماري وغيرها بشكل خاطئ وغير مقصود. امنياتنا أن نوصف و نوضح ونضع الامور في نصابها الصحيح و بشكل دقيق لمفهوم العام حول العنوان الدراسة .
التراث الثقافي الغير المادي:
حين نتحدث عن تراث الأمم فإن الذهن يتجه غالبًا إلى الأبنية القديمة والآثار والمخطوطات والأشياء التي بقيت شاهدة على عصور مضت. غير أن للأمم تراثًا آخر لا تحفظه الجدران ولا تكفيه المتاحف. إنه تراثٌ يسكن الذاكرة واللغة والصوت والحركة والممارسة اليومية. نراه في حكاية ترويها جدة لأحفادها وفي أغنية تستعيدها الذاكرة في مناسبة اجتماعية وفي حرفة يتعلمها الصانع من معلمه وفي عادة تتناقلها الأسرة جيلًا بعد جيل.
هذا هو التراث الثقافي غير المادي. إنه ليس ماضيًا محفوظًا خلف الزجاج بل معرفة حيّة يواصل الناس حملها وتجديدها. وهو في الوقت نفسه سجلٌّ اجتماعي يعكس كيف فهمت الجماعات عالمها وكيف عبرت عن أفراحها وأحزانها وكيف نظمت علاقاتها وكيف نقلت تجاربها إلى من جاء بعدها.
وتتجلى أهمية هذا التراث بوضوح في حالة تركمان العراق. فتراثهم غير المادي ثروة ثقافية متراكمة تتصل باللغة والتعبير الشفهي والشعر والغناء والعادات والطقوس والمعارف والحرف والمطبخ وسائر وجوه الحياة الاجتماعية. ولا تقتصر قيمته على كونه علامة تميز جماعة بعينها. إنه جزء من التنوع الثقافي العراقي ومن الذاكرة الإنسانية التي تتكون من روافد متعددة تتفاعل وتغتني بعضها ببعض.
مفهوم التراث الثقافي غير المادي
تعرّف اتفاقية اليونسكو لعام 2003 التراث الثقافي غير المادي بأنه الممارسات والتصورات والتعبيرات والمعارف والمهارات التي تعترف بها الجماعات والمجموعات والأفراد بوصفها جزءًا من تراثهم. ويشمل ذلك ما يرتبط بها من أدوات وأشياء وفضاءات ثقافية. وينتقل هذا التراث من جيل إلى جيل لكنه لا ينتقل على هيئة نسخة ثابتة. إذ تعيد الجماعات إحياءه وتشكيله بحسب بيئتها وتجاربها وتاريخها. ولذلك يمنحها شعورًا بالهوية والاستمرارية ويعزز احترام التنوع والإبداع الإنساني.
إن صفة «غير المادي» لا تعني أن هذا التراث بلا أدوات أو أشياء محسوسة. فقد ترتبط الأغنية بآلة موسيقية وقد تتصل الحرفة بأدواتها وقد تحضر في طقس اجتماعي أو احتفال. لكن جوهر العنصر الثقافي يكمن في المعرفة والمهارة والمعنى وطريقة الأداء وفي الصلة التي تربط هذه العناصر بالجماعة التي تمارسها. فالآلة قد تبقى محفوظة زمنًا طويلًا غير أن معرفتها لا تستمر ما لم يوجد من يصنعها أو يعزف عليها وينقل أسرارها إلى جيل جديد.
ومن هنا فإن التراث غير المادي يختلف عن مجرد العادة العابرة. فهو عنصر تتعرف إليه الجماعة بوصفه جزءًا من ذاكرتها الثقافية وتحرص على نقله وممارسته أو إعادة صياغته. كما أن صونه لا يعني إلزام المجتمع بصيغة واحدة لا تتغير. فالتقاليد الحية تتأثر بالتحولات الاجتماعية وبانتقال الناس بين المدن وبوسائل الاتصال الجديدة. وقد تتغير طريقة أداء الأغنية أو أدوات الحرفة أو شكل الاحتفال بينما يظل العنصر محتفظًا بمعناه لدى جماعته.
مجالات التراث بحسب اتفاقية اليونسكو
وضعت اتفاقية عام 2003 خمسة مجالات واسعة يظهر فيها التراث الثقافي غير المادي. وهي مجالات متداخلة ومفتوحة وليست حدودًا جامدة.
أولها التقاليد والتعبيرات الشفهية بما في ذلك اللغة بوصفها وعاءً للتراث. ويندرج فيها الشعر الشعبي والأمثال والحكايات والأساطير والألغاز والتعابير المحلية.
وثانيها فنون الأداء مثل الموسيقى والغناء والرقص والأداء الشعري وما يرتبط بها من مهارات وأساليب متوارثة.
وثالثها الممارسات الاجتماعية والطقوس والاحتفالات وتشمل الأعراس والمناسبات الدينية والاجتماعية وطقوس الميلاد والضيافة والتكافل وأشكال الاجتماع المتعارف عليها.
ورابعها المعارف والممارسات المتصلة بالطبيعة والكون مثل الخبرات المرتبطة بالمواسم والزراعة والغذاء والبيئة وطرائق فهم المحيط الطبيعي.
أما المجال الخامس فهو الحرف التقليدية بما يشتمل عليه من مهارات ومعارف وأدوات ومواد وطرائق عمل تنتقل بالممارسة والتعليم المباشر.
ولا ينبغي فهم هذه المجالات على أنها صناديق منفصلة. فقد تكون المناسبة الاجتماعية مجالًا للغناء والإنشاد والطعام والملابس والحكاية والحرفة في وقت واحد. وقد تنظر جماعة إلى تعبير معين بوصفه شعرًا بينما تراه جماعة أخرى جزءًا من طقس أو أداء موسيقي. ولذلك تؤكد اليونسكو أن المجالات واسعة وشاملة وأن الحدود بينها مرنة وقد تختلف من مجتمع إلى آخر.
قوائم اليونسكو ومعنى الإدراج العالمي
أنشأت اتفاقية اليونسكو آليات دولية تتيح التعريف بعناصر التراث الثقافي غير المادي وتعزيز صونها. وتشمل القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية وقائمة التراث الذي يحتاج إلى صون عاجل وسجل الممارسات الجيدة في مجال الصون.
تهدف القائمة التمثيلية إلى إبراز تنوع التراث الإنساني ورفع الوعي بقيمته وتشجيع الحوار الذي يحترم الاختلاف الثقافي. أما قائمة الصون العاجل فتسلط الضوء على العناصر التي تحتاج إلى تدابير سريعة كي تبقى حيّة. ويعرض سجل الممارسات الجيدة برامج ومشروعات وأنشطة تمثل نماذج نافعة لصون التراث ونقله. وتُدرس طلبات الإدراج التي تقدمها الدول الأطراف في الاتفاقية وفق معاييرها وإجراءاتها. ولا تنشئ هذه القوائم ترتيبًا بين ثقافة وأخرى بل تجعل التراث أكثر ظهورًا وتدعم جهود المجتمعات والدول في حمايته.
وقد صادق العراق على اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي في 6 كانون الثاني 2010. وتعرض صفحة العراق لدى اليونسكو عناصر أُدرجت على القوائم الدولية من بينها المقام العراقي ومهرجان خضر إلياس ونذوره ومهارات بناء المضيف ومعارف النخيل وممارساته. وتبين هذه الأمثلة أن التراث غير المادي يشمل أشكالًا متنوعة من التعبير والمعرفة والعمل ولا يقتصر على الفنون وحدها.
وينبغي التمييز بين الجرد الثقافي الأولي وبين الإدراج الرسمي في قوائم اليونسكو. فالعناصر العشرون الواردة في هذه الدراسة تمثل مقترحًا توثيقيًا لمظاهر بارزة من تراث تركمان العراق. ولا يعني عرضها أنها مسجلة دوليًا أو أنها حُصرت نهائيًا. بل إن اعتمادها وتفصيلها يستلزمان البحث الميداني ومراجعة روايات حاملي التراث ومشاركة المجتمعات المعنية.
دور اليونسكو في صون التراث
لا يقتصر دور اليونسكو على تسمية عناصر التراث أو وضعها في قوائم. فالغاية الأوسع لاتفاقية عام 2003 هي تعزيز بقاء التراث قابلًا للممارسة والنقل. ويتطلب ذلك التعريف بالعناصر وتوثيقها ودراستها وحمايتها وتعزيزها وإدخالها في مسارات التعليم الرسمي وغير الرسمي والعمل على إنعاش الممارسات التي بدأ حضورها يتراجع. كما تؤكد الاتفاقية ضرورة احترام الجماعات والأفراد الحاملين لهذا التراث ومشاركتهم في عملية صونه.
ومن الناحية العملية يمكن أن تتجسد هذه الجهود في تسجيل الروايات الشفهية بلغاتها الأصلية وإعداد معاجم للمفردات المحلية وتوثيق الأغاني والألحان والرقصات وتصوير المهارات الحرفية وإعداد دراسات حول طقوس المناسبات وجمع وصفات الطعام وتاريخها وتنظيم ورش يتعلم فيها الصغار من الممارسين الكبار. ويمكن للمدارس والجامعات والمراكز الثقافية والمتاحف أن تسهم في هذا العمل إذا تعاونت مع أصحاب الخبرة ولم تكتف بعرض التراث بوصفه مادة جامدة.
وتتطلب عملية الصون كذلك بناء أرشيفات صوتية ومرئية وإتاحتها للباحثين والأجيال الجديدة مع حفظ حقوق أصحاب الروايات والأداء. كما تحتاج إلى تسجيل الأسماء والنطق المحلي والتنوع بين المناطق لأن الاختلاف في اللهجات والأداء ليس عائقًا أمام التوثيق بل هو جزء من قيمة العنصر نفسه.
أهمية التراث غير المادي على المستوى العالمي
تكتسب دراسة التراث غير المادي أهمية عالمية لأنها توسع فهمنا للتاريخ الإنساني. فالتاريخ لا يُكتب بالوثائق الرسمية وحدها. ويمكن للأغنية الشعبية أن تكشف عن أحوال الناس والعمل والهجرة والفقد. وقد يحفظ المثل صورة عن نظام القيم ومصادر الحكمة في مجتمع ما. وتبين الحرفة كيف تعامل الإنسان مع مواده وبيئته وكيف نقل المعرفة العملية. أما طقوس الأعراس والميلاد والضيافة فتقدم مادة لفهم الروابط الأسرية والعلاقات الاجتماعية وأشكال المشاركة.
ومن أمثلة الدراسات التي تنفع في هذا المجال دراسة لغوية اجتماعية لتغير مفردات اللهجة بين الأجيال أو دراسة مقارنة للأمثال الشعبية في مناطق متعددة أو بحث إثنوغرافي في طقوس الزواج وأدوار المشاركين فيه أو دراسة موسيقية لتنوع المقامات والألحان وطرائق الأداء. ويمكن إعداد دراسة في تاريخ المطبخ المحلي تربط بين وصفات الطعام والمواسم والهجرة والمواد المتاحة. كما يمكن دراسة تعليم الحرفة عبر العلاقة بين المعلم والمتدرب وما تتطلبه من معرفة عملية يصعب نقلها في النصوص وحدها.
وتمنح هذه الدراسات الباحثين فرصة لمقارنة التجارب دون اختزالها في نموذج واحد. فالممارسات المتشابهة بين الشعوب قد تعبّر عن حاجات إنسانية عامة مثل الاحتفال بالمولود أو إكرام الضيف أو مواساة المفجوع. لكنها تتخذ في كل مجتمع صورًا ولغة وألحانًا ورموزًا مختلفة. ومن هنا فإن دراسة التراث تسهم في كشف المشترك الإنساني مع الحفاظ على خصوصية كل ثقافة.
كذلك تكتسب هذه الدراسات أهمية في التربية والتنمية الثقافية. إذ يمكن للمعرفة التقليدية أن تدعم التعليم المحلي وأن تنمي اهتمام الشباب بلغتهم وأن تعزز الحوار بين المجتمعات. ويمكن للحرف والفنون والمطبخ أن تفتح آفاقًا للعمل الثقافي والسياحي والاقتصادي إذا عُرضت باحترام لأصحابها ولم تُفصل عن سياقها. وقد يصبح التوثيق أساسًا لمبادرات ثقافية مستدامة مثل الأرشيف المجتمعي أو ورشة تعليم الحرف أو مهرجان للفنون الشعبية أو برنامج مدرسي يشارك فيه الرواة والفنانون والحرفيون.
التراث الثقافي غير المادي لتركمان العراق
يمثل تراث تركمان العراق شبكة مترابطة من اللغة والذاكرة وفيها والعادات والمعرفة. ولا يمكن تمثيله في عنصر واحد أو منطقة واحدة. فالتنوع في اللهجات والتقاليد وأساليب الأداء جزء من صورته. كما أن انتقال الأفراد بين المدن وتفاعلهم مع بقية مكونات العراق أسهما في استمرار هذا التراث وتجدده. وفيما يأتي أبرز عناصره التي يمكن أن تشكل أساسًا لجرد توثيقي أولي.
1 – الخوريات والمانيات والشعر الشعبي
تحتل الخوريات والمانيات والشعر الشعبي مكانة بارزة في الذاكرة الشفهية التركمانية. فهي صيغ شعرية تعبّر عن التجربة اليومية وتختزن الحكمة والوجدان والحنين والفخر والأسى. وتبرز قيمتها في طريقة الأداء وفي صلة النص بالمناسبة والجمهور واللحن واللهجة. وتستحق هذه الأشكال جمع نصوصها وتسجيل روايات مؤديها وتوثيق اختلاف ألفاظها وأوزانها بين المناطق.
2. – الأغاني والأهازيج الشعبية
ترافق الأغاني والأهازيج أفراح الناس وأعمالهم واجتماعاتهم ومناسباتهم. وقد تحمل الأغنية ذكرى مكان أو شخص أو حدث كما قد تعبّر عن مشاعر الجماعة في أوقات مختلفة. ويقتضي توثيقها تسجيل اللحن والكلمات وطريقة الأداء وبيان المناسبة التي تُغنّى فيها ومن يتولاها وكيف تنتقل بين الأجيال.
3. – الحكايات والأساطير الشعبية
تحتفظ الحكايات الشعبية بصور من الحياة اليومية وبخبرات المجتمع ومخاوفه وآماله. أما الأساطير والروايات العجيبة فتظهر طرائق تفسير الناس لما يحيط بهم وتعبّر عن الخيال الجمعي. ويمكن أن تدرس هذه المواد من حيث بنائها وشخصياتها وأمكنتها ورسائلها الأخلاقية وأنماط انتقالها داخل الأسرة والمجالس.
4. – الأمثال والحِكم والتعابير المتوارثة
تختصر الأمثال تجارب متراكمة في عبارة يسهل حفظها وتداولها. وهي تكشف عن معايير المجتمع في العمل والكرم والصبر والعلاقات الإنسانية كما تكشف أحيانًا عن روح النقد والسخرية. وتساعد دراستها على فهم معاني الكلمات المحلية وطرق استخدامها والسياقات التي يستشهد بها الناس فيها.
5. – الألغاز والفوازير الشعبية
تقوم الألغاز على الملاحظة والذكاء والقدرة على الربط بين الأشياء. وهي شكل من أشكال الترفيه والتعلم الشفهي يتيح للكبار والصغار التفاعل والتنافس. ويمكن للتوثيق أن يرصد نصوص الألغاز وإجاباتها وطرائق طرحها والمفردات المرتبطة بها وما تعكسه من معرفة بالبيئة والحياة اليومية.
6. – الأغاني والإنشاد المرتبطان بمراحل الحياة
تظهر في حياة الإنسان مراحل ومناسبات ترافقها أغنيات أو ألوان من الإنشاد والتعبير. وقد يرتبط بعضها بالطفولة أو التهنئة أو الانتقال من مرحلة عمرية إلى أخرى أو بالمناسبات الأسرية. وينبغي أن يسجل الباحث كلمات هذه الأغاني وألحانها وسياقاتها وروايات النساء والرجال الذين ما زالوا يتذكرونها.
7. – العادات والطقوس الاجتماعية المتوارثة
تشكل العادات والطقوس إطارًا ينظم اللقاءات والتواصل والضيافة والتكافل والمشاركة في الأفراح والأحزان. وقد تختلف تفاصيلها من أسرة إلى أخرى ومن مدينة إلى أخرى. وتوثيقها لا يعني الحكم عليها أو تثبيتها بل فهم دلالاتها الاجتماعية ورصد تغيرها وما بقي منها في الحياة المعاصرة.
8. – المعتقدات والتصورات الشعبية
تتصل المعتقدات الشعبية بتصورات الناس عن الحياة والطبيعة والمجهول وبما راكمته الجماعة من خبرات وتأويلات. وتحتاج دراستها إلى عناية واحترام إذ لا يجوز فصلها عن سياقها أو تقديمها على أنها صورة واحدة ثابتة عن المجتمع. ويمكن توثيقها عبر الروايات الشفهية وتحليل مفرداتها ومناسباتها والتغيرات التي طرأت عليها.
9. – الألعاب الشعبية للأطفال
تجمع الألعاب الشعبية بين التسلية والحركة والتعلم والتفاعل الاجتماعي. وتكشف أدواتها وقواعدها وأسماؤها عن مفردات محلية وأنماط من التعاون والمنافسة. كما يمكن أن توضح كيف استثمر الأطفال فضاءات الحي والبيت والساحة في اللعب قبل انتشار وسائل الترفيه الحديثة. ويُعد سؤال كبار السن عن ألعاب طفولتهم مدخلًا عمليًا لحفظ هذا الجانب.
10. – المعارف والحرف وتقاليدها
تتضمن المعارف الحرفية مهارات يصعب اكتسابها من الوصف المكتوب وحده. فهي تنتقل بالمشاهدة والتدريب والتكرار وبالتعلم من صاحب الخبرة. ويمكن أن تشمل طرائق اختيار المواد ومعالجتها واستعمال الأدوات وحل المشكلات أثناء العمل. ومن ثم فإن توثيقها يحتاج إلى تسجيل مراحل الأداء وشرح المصطلحات المحلية وحفظ صلة المتعلم بمعلمه.
11. – المهن والحرف المرتبطة بالحياة اليومية
تعكس المهن التقليدية تاريخ العمل والإنتاج والحاجات التي أفرزتها البيئة المحلية. وفي كل مهنة أدوات وأسماء ومهارات وعلاقات بين العامل والزبون أو بين المعلم والمتدرب. ويمكن للدراسة الميدانية أن ترصد المهن التي استمرت وتلك التي تراجعت وتبحث أسباب التحول مثل تغير السوق وتوفر المواد وانتقال المهارات إلى ميادين جديدة.
12. – تقاليد الأعراس والختان والمناسبات السعيدة
تتجلى في الأعراس والختان وسائر المناسبات السعيدة مظاهر متعددة من التعبير الاجتماعي. فقد تشمل الأغاني والملابس والطعام والضيافة وتبادل التهاني وأدوار أفراد الأسرة والجيران. وتختلف بعض تفاصيلها وفق المكان والظروف الاجتماعية. ويوفر توثيقها صورة عن معنى المشاركة والفرح والروابط التي تجمع الأفراد داخل المجتمع.
13. – طقوس الميلاد ومعتقداته
تتصل طقوس الميلاد باستقبال المولود والعناية به والتعبير عن فرح الأسرة ومشاركة الأقارب والجيران. وقد ترافقها أقوال أو ممارسات أو أطعمة أو هدايا ذات دلالات اجتماعية. ويكتسب توثيقها قيمة خاصة عندما يسجل شهادات النساء وكبار السن ويحفظ المصطلحات المتداولة ويبين أوجه الاختلاف بين البيئات.
14. – المرويات والإنشاد في شهر محرم والمآتم
تضم المرويات والأنماط الإنشادية المرتبطة بشهر محرم والمآتم جانبًا من التراث الديني والاجتماعي. وتختلف صور الأداء والرواية باختلاف المجتمعات والبيئات. لذلك ينبغي أن يراعي التوثيق مشاعر المشاركين وخصوصية المناسبة وأن يسجل الروايات والأنغام والعبارات كما تؤدى في سياقها الطبيعي وبموافقة أصحابها.
15. – المطبخ والمعارف المرتبطة به
يمثل المطبخ ذاكرة عملية تتصل بالمكونات والمواسم وطرائق الطهي والحفظ والتقديم. وهو أكثر من وصفات مكتوبة إذ يشمل أسماء الأدوات ومهارات إعداد الطعام ومعرفة المواد وتوقيت استعمالها وصلتها بالضيافة والمناسبات. ويمكن دراسة المطبخ التركماني من خلال توثيق أسماء الأطباق واختلاف وصفاتها وروايات من يتوارثون إعدادها.
16. – العادات المحلية لكل منطقة أو مدينة أو بلدة
يتجلى التنوع التراثي في الفروق التي تظهر بين منطقة وأخرى ومدينة وبلدة. فقد تتباين العادات والتسميات والأغاني وأساليب الضيافة والاحتفال مع بقاء روابط مشتركة تجمع أبناء الجماعة. ويساعد التوثيق المقارن على إبراز هذا التنوع الداخلي دون اختزاله في صورة موحدة أو افتراض أن الممارسة الواحدة تشمل الجميع.
17. – الفلكلور النسوي والمهن المنزلية
تحفظ النساء جانبًا واسعًا من المعرفة الشفهية والمنزلية. ويدخل في ذلك ما يتصل بالأغاني والحكايات والممارسات المنزلية وبعض الأعمال اليدوية وطرائق نقل الخبرة إلى البنات والأطفال. إن دراسة هذا الجانب تعيد الاعتبار لمعارف كثيرًا ما بقيت خارج المدونات الرسمية رغم أثرها الكبير في الحياة اليومية وفي استمرار الهوية الثقافية.
18. – الأدعية والتواشيح المتوارثة
تمثل الأدعية والتواشيح شكلًا من التعبير الشفهي والروحي يتصل باللغة والصوت والمناسبة وطريقة الأداء. وقد تحفظ ألفاظًا وتراكيب وصيغًا محلية لا توجد في المصادر المكتوبة. ومن المهم تسجيل نصوصها وألحانها وسياقاتها مع احترام التقاليد الدينية وروايات المؤدين وعدم فصلها عن جماعتها.
19. – اختلاف اللهجات والمسميات
تحمل اللهجات المحلية وأسماء الأشياء والأماكن والأطعمة والممارسات ذاكرة لغوية وتاريخية. وقد تكشف المقارنة بينها عن أثر البيئة والاحتكاك والتغير الاجتماعي وعن طرائق انتقال المفردات بين الأجيال. وتظل اللغة وعاءً رئيسًا لكثير من العناصر الشفهية ولذلك فإن صونها يسند صون الشعر والأمثال والحكايات والأغاني المرتبطة بها.
20. – الأزياء التقليدية والزينة
تجمع الأزياء التقليدية بين المعرفة بالخامات والخياطة والألوان وأشكال الزينة وطرائق ارتدائها في الحياة اليومية والمناسبات. وهي لا تعبر عن الذوق الجمالي وحده بل قد تحمل دلالات تتصل بالعمر والمناسبة والمنطقة والذاكرة الأسرية. ومن المفيد توثيق أسماء قطع الملابس وأساليب صنعها وروايات من ارتدوها أو شاركوا في إعدادها.
نحو مشروع جاد وحقيقي لصون تراث تركمان العراق
إن الانتقال من وصف عناصر التراث إلى صونها يقتضي منهجًا علميًا يشارك فيه حاملو التراث والباحثون والمؤسسات الثقافية. وتبدأ الخطوة الأولى بجرد ميداني مفتوح لا يفترض أن القائمة نهائية. ثم تُجمع الروايات من مناطق متعددة وتُسجل بالصوت والصورة مع تدوين أسماء الرواة والممارسين وتاريخ المقابلة ومكانها ولهجتها. وينبغي أن ترافق التسجيلات نصوص مكتوبة باللغة التي وردت بها المادة مع ترجمة موثوقة عند الحاجة.
ومن الضروري أن يتضمن المشروع دراسات متخصصة في اللغة والفولكلور والموسيقى والأنثروبولوجيا وتاريخ الحرف والمطبخ والعادات الاجتماعية. فالدراسة اللغوية قد تكشف اختلاف المصطلحات بين المدن. والبحث الموسيقي قد يحلل الألحان وطرائق الإنشاد. أما الدراسة الإثنوغرافية فتتابع الممارسة في سياقها وتسأل أصحابها عن معناها وتغيرها. ويمكن لدراسة الحرف أن ترصد مراحل العمل وأدواته وطرق تعليم الصغار. كما يستطيع البحث الاجتماعي أن يبين أثر التحضر والهجرة والتعليم والإعلام في تغير الممارسات.
وتزداد قيمة هذه الجهود حين تتحول نتائجها إلى مواد نافعة للمجتمع. فالأرشيف الرقمي يمكن أن يحفظ التسجيلات ويتيح الوصول إليها وفق قواعد تحمي حقوق أصحابها. والكتاب المدرسي أو النشاط الثقافي يستطيع أن يعرّف الجيل الجديد بأغانيه وحكاياته ولهجته. وورش الحرف تمكن الشباب من التعلم المباشر. أما المعارض والمهرجانات فتتيح عرض التراث ضمن سياقه وتمنح ممارسيه دورًا أساسيًا في تقديمه وتفسيره.
إن التراث الثقافي غير المادي لتركمان العراق ليس بقايا زمن مضى ولا مادة للزينة في المناسبات. إنه معرفة متحركة وذاكرة جماعية ومورد ثقافي يعزز التفاهم بين الأجيال والشعوب. وصونه لا ينتقص من الانفتاح على الآخرين بل يقويه؛ فالمجتمع الواثق بذاكرته أقدر على المشاركة في ثقافة العالم وعلى بناء حوار متوازن يحترم الاختلاف.
ومن هنا فإن حفظ هذا التراث مسؤولية مشتركة تتطلب الإصغاء إلى حامليه والاعتراف بتنوع رواياتهم ونقل معارفهم إلى الأجيال الجديدة. فحين تُصان الكلمة والأغنية والحكاية والحرفة والعادة لا يُحفظ عنصر منفرد فحسب. بل تُصان معها خبرة إنسانية تسهم في ذاكرة العراق وتثري التراث المشترك بين الأمم والشعوب.
