أصبحت زيارة ممثلي منظمات المجتمع المدني التركمانية من العراق وسوريا ولبنان وتركيا إلى أذربيجان أكثر من مجرد فعالية ثقافية، إذ شكلت مؤشراً مهماً على نشوء منصة جديدة للتعاون في إطار العالم التركي. وقد أسفر البرنامج، الذي انطلق في مدينة نخجوان واختُتم بانعقاد المنتدى الثاني بعنوان “الإرث التركماني: تضامن منظمات المجتمع المدني” في باكو، عن نتائج مهمة في مجال الحفاظ على الإرث التركماني، وتعزيز الدراسات العلمية المتعلقة به، وتوسيع آفاق التعاون الدولي.
وخلال الزيارة التي بدأت في 23 يونيو، تعرّف نحو 30 ممثلاً لمنظمات المجتمع المدني من العراق وسوريا ولبنان وتركيا في البداية على التراث التاريخي والثقافي لمدينة نخجوان. وزار الوفد مجمع متحف قلعة نخجوان التاريخي والمعماري، وضريح مؤمنة خاتون، وقصر الخان، وضريح النبي نوح، حيث اطّلع على معلومات وافية حول المعالم التي تجسد تاريخ أذربيجان العريق في مجالي الدولة والثقافة.
وفي إطار البرنامج، زار الضيوف أيضاً النصب التذكاري للزعيم الوطني حيدر علييف في مدينة نخجوان، بالإضافة إلى متحف حيدر علييف. وقد اكتسبت هذه الزيارة أهمية خاصة لما وفرته من فرصة للتعرّف على المراحل الأساسية في تاريخ الدولة الأذربيجانية الحديثة.
سلّطت المناقشات العلمية الضوء على مستقبل الإرث التركماني
كان من أبرز فعاليات الزيارة عقد جلسة علمية بعنوان “الإرث التركماني: اللغة والثقافة والتاريخ”. وقد نُظمت الفعالية من قبل مركز “كۆرپو” (الجسر) لدراسات الإرث التركماني، بالشراكة مع وكالة دعم المنظمات غير الحكومية في جمهورية أذربيجان وفرع نخجوان التابع للأكاديمية الوطنية الأذربيجانية للعلوم. وشارك في الجلسة علماء وباحثون وشخصيات عامة من أذربيجان والعراق وتركيا.
وأكد رئيس فرع نخجوان للأكاديمية الوطنية الأذربيجانية للعلوم، إسماعيل حاجييف، أن الدراسات العلمية المتعلقة بالإرث التركماني في أذربيجان تشهد توسعاً ملحوظاً.
من جانبه، قدّم الباحث المتخصص في الدراسات التركمانية أورخان إسایيف عرضاً تناول فيه نتائج الأبحاث التي أُنجزت خلال السنوات الأخيرة، حيث تطرق إلى نشأة الهوية التركمانية، وتاريخ القبائل التركية، وأصل تسمية “التركمان”، إلى جانب استعراض واقع المجتمعات التركمانية المعاصرة.
وخلال المناقشات، شدد العلماء المشاركون من العراق وتركيا وأذربيجان على أهمية توسيع التعاون في مجالات الحفاظ على اللغة الأم، وصون الهوية الوطنية، ودراسة التراث الأدبي والموسيقي المشترك.
كما تحدث عمر تركمان أوغلو، الأستاذ في جامعة غازي، عن أوجه التشابه بين الموسيقى الأذربيجانية والموسيقى التركمانية العراقية، موضحاً أن أوجه التقارب في البناء اللحني، وأسلوب الأداء، والآلات الموسيقية، تعود إلى جذور ثقافية مشتركة.
اجتماع مع منصة المنظمات غير الحكومية التابعة لمنظمة الدول التركية
في إطار برنامج نخجوان، عُقد أيضاً اجتماع بين أمانة منصة المنظمات غير الحكومية للدول الأعضاء في منظمة الدول التركية وممثلي الوفود التركمانية. وأكد الأمين العام للمنصة، أذر اللهفيرانوف، في كلمته أن التاريخ المشترك واللغة والثقافة المشتركة تشكل القيم الأساسية التي تجمع الشعوب التركية في عائلة واحدة موحدة.
ووفقاً له، فإن المشاركة الأكثر فاعلية للمنظمات التركمانية العاملة في العراق وسوريا ولبنان وتركيا ضمن هذه المنصة ستوفر فرصاً واسعة للتعاون المستقبلي.
وخلال الاجتماع، تمت مناقشة المشاريع المشتركة والمبادرات الثنائية واتجاهات العمل المستقبلية.
وفي إطار البرنامج الذي استمر يومين، قام الوفد بزيارة مزار أصحاب الكهف، ومجمع ملح داغ (Duzdağ)، وضريح حسين جavid، إلى جانب عدد من المواقع التاريخية الأخرى في نخجوان.
وبذلك، شكّل برنامج نخجوان إحدى الزيارات البارزة التي عكست عرضاً غنياً للإرث التاريخي والثقافي لأذربيجان.
منصة دولية للتضامن التركماني في باكو
في 25 يونيو، تواصلت الفعاليات في باكو من خلال انعقاد المنتدى الثاني بعنوان “الإرث التركماني: تضامن منظمات المجتمع المدني” في مركز الموسيقى المقامية الدولي. وشارك في المنتدى ممثلو منظمات المجتمع المدني التركمانية القادمين من أربع دول، إلى جانب أكثر من 250 منظمة غير حكومية أذربيجانية.
ووصف نائب رئيس مجلس الملي (البرلمان)، الأكاديمي رفائيل حسينوف، الفعالية بأنها “احتفال بالإرث التركماني”، مؤكداً أن مدينة كركوك تحتل مكانة خاصة في الذاكرة الروحية للشعب الأذربيجاني.
كما أعلن عضو مجلس الإشراف في وكالة دعم المنظمات غير الحكومية، النائب في البرلمان رضوان نبييف، أن هذه المنتديات ستُعقد سنوياً، مشيراً إلى بدء التحضيرات لتنظيم الفعاليات المستقبلية في العراق وسوريا ولبنان.
من جانبه، أكد زعيم الجبهة التركمانية العراقية أرشد الصالحي أن أذربيجان تُعد بلداً قريباً من قلوب التركمان، مشيراً إلى أن المنتدى قدّم إسهاماً مهماً في تطوير العلاقات بين أذربيجان والعراق.
أما النائب في البرلمان السوري طارق سلو جيفجِجي، فقد أشاد بتطور العلاقات بين أذربيجان وسوريا، وخاصة الدعم المقدم في مجال التعليم.
كما قدّم رئيس “بيت أذربيجان” في لبنان خالد إسماعيل كاواش رادا معلومات حول المشاريع المنفذة، مؤكداً أن هذا المركز يؤدي دور جسر ثقافي بين الشعبين.
وفي إطار المنتدى، عُقدت جلسة نقاشية بعنوان “ما أقرب البعيد”، شارك فيها عدد من أبرز الباحثين المتخصصين في الدراسات التركمانية وشخصيات عامة من أذربيجان والعراق وسوريا. وقد شهدت الجلسة تبادلاً مهماً للآراء حول دراسة التاريخ التركماني، وحماية الهوية الوطنية، وتعزيز أنشطة الجاليات (الشتات)، وتنفيذ المشاريع المشتركة.
تقديم عمل موسيقي جديد مخصص للإرث التركماني
في حفل اختتام المنتدى، قُدّم برنامج فني يعكس الإرث التركماني. وكان من أبرز أحداث الفعالية تقديم عمل موسيقي جديد بعنوان “ثقافة توحّدنا” أعدّته جمعية “بیزی بيرليشتيران كولتور” (الثقافة التي توحدنا) تحت عنوان “جمال كركوك الأوغوزي”.
وقد كُتبت كلمات العمل من قبل الأكاديمي رفائيل حسينوف، ولحنه فنان الشعب سيافوش كريمي، فيما أدّاه الفنان المكرم راميل قاسوموف. وأُديت هذه القطعة بمرافقة أوركسترا البوب-السيمفوني والكورال، حيث عبّرت موسيقاها عن الروح الأوغوزية القديمة لمدينة كركوك وعن روابطها المعنوية مع أذربيجان بلغة موسيقية مؤثرة.
ومن المخطط أيضاً تصوير فيديو كليب للأغنية في كل من العراق وسوريا ضمن إطار المشروع.
بداية مرحلة جديدة
أظهر المنتدى الثاني بعنوان “الإرث التركماني: تضامن منظمات المجتمع المدني” أن الحفاظ على الإرث التركماني لم يعد مجرد قضية علمية وثقافية فحسب، بل أصبح منصة مهمة لتعزيز التعاون بين منظمات المجتمع المدني في العالم التركي.
وقد أظهرت الفعاليات التي بدأت في نخجوان واختُتمت في باكو فرصاً جديدة للبحث في الإرث التركماني، وحماية الذاكرة التاريخية المشتركة، وتوسيع التعاون العلمي، وتنفيذ مشاريع دولية مستقبلية.
كما أن القرار المتخذ بشأن عقد المنتدى سنوياً يدل على أن هذا التعاون سيكتسب طابع الاستمرارية، وسيسهم في التعريف بالإرث التركماني على نطاق دولي أوسع.
رئيس جمعية “دعم نشاطات الشتات” للصحفيين، فؤاد حسين زاده.
