فتح مدينة إسطنبول عام 1453: نهاية الظلام وبداية الحضارة
علي البياتلي – بغداد
في صباح يوم الثلاثاء 29 مايو عام 1453 تغير التاريخ إلى الأبد. في ذلك اليوم انهارت أبواب مدينة القسطنطينية جوهرة الإمبراطورية البيزنطية تحت ضربات الجيش العثماني بقيادة السلطان محمد الثاني ورفعت راية الإسلام على أسوارها التي لم تُفتح لثماني قرون. لم يكن هذا الفتح مجرد نصر عسكري فحسب بل كان إعادة ترتيب للقيم وزعزعة لتوازنات القوى واستعادة للبوصلة التي فقدتها الإنسانية بين ظلم الكنيسة وانحرافات الحضارة الغربية.
سقوط القسطنطينية كان نهاية إمبراطورية كانت تئن بتعفن اخلاقي وسلوكي منذ قرون. وكان تأثيرها السياسي والثقافي قوياً فقد كانت حصن الروم ودرع الكنيسة الشرقية ومركز التوسع الغربي ضد العالم الإسلامي. بسقوط المدينة انتهى عهد توزيع القوى الجيوسياسية القديم وبرز الإسلام كوجه جديد للقوة والتقدم والعدل ومستعدا ليرسم خارطة جديدة وصحيحة للقوى في العالم . أصبحت إسطنبول – باسمها الجديد – عاصمة دولة إسلامية قوية تمتد من حدود النمسا إلى أعماق الأناضول ومن البلقان حتى اليمن. فقد الغرب المسيحي حصناً رمزياً بينما كسب المسلمون باباً مفتوحاً إلى أوروبا ومركزاً روحياً وثقافياً جديداً.
كان هذا الفتح ليس فقط انهيار إمبراطورية بل تنقية لحضارة لا انسانية في أيامها الأخيرة حيث عرفت القسطنطينية بالانحطاط الأخلاقي وفساد روما حيث الفخامة المفرطة والانحراف في العقيدة والسلوك وثقافة الإمبراطورية المتفسخة. كانت المدينة تصدر الفساد والانحلال والشذوذ إلى الشرق مع الذهب والخمر. من قصور الروم خرجت فنون فاسدة ومن الأديرة خرجت قوانين الكهنة الفاسدين ومن شوارعها والأسواق شُرِيت وبيعت الشرف بالنقود والمساومات والنفوذ والاستعباد والعبيد و…. الخ
لكن السلطان محمد الفاتح نظر إلى المدينة بعين مختلفة لانه لم يأتِ ليهدم بل ليطهّر. حول آيا صوفيا إلى مسجد ليس لمحو معالمها بل لإعادة بنائها على أساس التوحيد والطهارة. ومنذ ذلك الحين تحررت المدينة من بقايا بيزنطية وولدت من جديد واحة للعدل والأخلاق. سقوط القسطنطينية كان بداية لإقامة توازن جديد بين الحق والهوى والعدل والظلم ومدخل لإنسان جديد لا يعبد الكهنة أو الملوك بل يعبد الله وحده.
مع فتح إسطنبول لم ينتشر الإسلام بالسيف كما يزعم بعض المؤرخين الماجورين أو الذين يخدمون الملوك والسلطات بل بالعدل والرحمة والعلم. وجد سكان البلقان في الدولة العثمانية خلاصاً من قهر الكنيسة الخاطئ انذاك التي كانت تبيع وثائق الغفران وتقيد العقول وتقتل المفكرين. في الإسلام وجد الناس عدلاً لم يعرفوه منذ قرون ومساواة لم يذوقوها من قبل ولم يكن الدين وسيلة للظلم بل طريقاً للشرف والحياة الكريمة التي تليق بالانسان. ولم يكن الحاكم ظل الله على الأرض بل مسؤولاً أمامه. هكذا انتشر الإسلام في مناطق مثل ألبانيا والبوسنة والهرسك ومقدونيا وأجزاء من بلغاريا و..و اجزاء كثيرة من اوربا ليس بالجيوش بل بالقانون العادل وأخلاق الفاتحين وتساهل الإيمان.
رافق الفتح انتقال الثقافة الإسلامية إلى أوروبا. والمثير أن هذا الفتح تسبب في بدء النهضة الأوروبية. بعد سقوط المدينة فر مئات العلماء البيزنطيين إلى إيطاليا حاملين معهم مخطوطات التراث العثماني واليوناني والفارسي والعربي التي خبأوها في أديرة القسطنطينية. وكان لهذا تأثير كبير على الغرب مما أدى إلى ظهور بوادر النهضة.
الأكثر إثارة أن التنوير الأوروبي بدأ بعد أن أُغلق باب الكنيسة على الظلام. لان الإسلام بدا يعلم أوروبا بهدوء كيف تستخدم العقل وكيف تقرأ وتبحث وتناقش في قارة كانت تعاني تحت قيود الجهل المقدس.
أعظم مكسب من الفتح – بعد توحيد الأراضي – كان إعادة الإنسان إلى إنسانيته. حيث أعاد الإسلام العثماني للناس القيم التي فقدوها تحت ضغط كنيسة و روما. وجعلتهم يدركون ضرورة المساواة بين الناس ومنحهم حق الحياة والكرامة وحرية التعبير وإعلان أن التفوق بين الرجل والمرأة قائم فقط على التقوى والمسؤولية. وفي تلك الحقبة كان الأوروبيون عبيداً للكنيسة والسلطات والمال. أما في ظل الإسلام فكانوا أحراراً. كانوا يذلون فقط لربهم ويسجدون فقط للحق ويحظون بالتقدير ليس لأنهم من طبقة معينة بل لأنهم بشر.
عزيزي القارئ في تلك الحقبة كانت أوروبا قارة مغطاة بضباب الجهل كما وصفها بعض المؤرخين الصادقين حيث كانت الكنيسة تمنع الأسئلة وتحرق الكتب وتطارد المفكرين وحتى كانت تسميهم سحرة وعلمهم هو سحر وحرام وكفر ويجب احراقهم وهم احياء وكان الأوروبيون امام هذه الافكار بلا إرادة إذ يُقال لهم إن الأرض مسطحة فيصدقون ويُقال لهم إن المغفرة تستحق المال فيؤدون ويدفعون للمغفرة ولكن تلك الاموال كانت تنفق لرفاهية الكهنة ويُقال لهم إن العقل فتنة فيسكتون وهم مصدقين ذلك والسبب هو ليس هناك اي فكر او منطق اخر ليصدقه واذا حاول ان يشكك بحرف مما يقال فمصيره الحرق حيا.
بإيجاز كانوا يعيشون في ظلام… ليس بسبب غياب الشمس بل بسبب غياب الفكر.
دخل السلطان محمد الفاتح القسطنطينية ليس بالسيوف فقط بل بميراث الحضارة الإسلامية التي امتدت قروناً مثل العلم والفن والفلسفة وترجمات جديدة لكتب اليونان وروما مستوحاة من العقل الإسلامي وروح القرآن. كانت خزائن القسطنطينية مكتبة تراث فكري ضائع. بعد سقوط المدينة فر مئات العلماء البيزنطيين إلى إيطاليا حاملين معهم المخطوطات وليس الذهب. ومن هناك بدأت أوروبا تعيد القراءة والتفكير.
بدأت كتب أفلاطون وأرسطو تُقرأ في روما هذه المرة بترجمات عثمانية أو عربية مع شروح ابن رشد والفارابي وابن سينا. تأسست الجامعات وظهرت العقول وللمرة الأولى بدأ الأوروبيون يتعلمون بلا خوف من لعنات الكنيسة. لم يكن هذا صدفة. فتح إسطنبول أغلق باباً وفتح أبواباً أخرى: فقدت الكنيسة الشرقية مكانتها وبدأ الغرب يتساءل: لماذا سقطت القسطنطينية؟ لماذا المسلمون يتقدمون ونحن نتخلف؟ هذه الأسئلة كانت الشرارة الأولى للنهضة.
فتح إسطنبول لم يؤسس حضارة في الشرق فقط بل كسر أيضاً توازن القوى القديم. حينها أدرك الأوروبيون أنهم ليسوا مركز الكون وأن هناك أمة تقرأ وتبني وتفكر وتنتصر. وهكذا بدأ البحث عن التوازن ليس بالقوة فقط بل بالعلم أيضاً.
