لماذا يهمش التركمان في العراق؟
فوزي توركر
القومية التركمانية هي قومية عريقة ذات جذور تاريخية عميقة في ارض الرافدين . ولعب التركمان دورا بارزا في تاريخ ا العراق والمنطقة..ويشكلون احد المكونات الاساسية الثلاثة فيه الى جانب العرب والاكراد. ومع ذلك فانهم يعانون منذ عقود من مختاف اشكال التهميش السياسي والثقافي والاقتصادي . ولقد تعرضوا لمجازر بشعة من ابرزها مجزرة كاورباغي عام 1946 ومجزرة كركوك عام 1959،ومجزرة آلتون كوبري عام 1991، ومجازر تلعفر وغيرها من المناطق التركماني بعد ااحتلال داعش للموصل عام 2014 .
لقد عانى التركمان من التهميش والإقصاء خلال العهد الملكي والجمهوري ، وازدات معاناتهم في عهد النظام البعثي الجائر حيث فرض الحظرعلى لغتهم وعلى مدارسهم عام 1971واغلقت بوجههم المؤسسات الحكومية وتعرضت مناطقهم الممتدة من تلعفر الى مندلي للتعريب ، وتعرض زعماءهم ومئات الشبان للتعذيب والتنكيل واالاعدام.
اما بعد سقوط النظام البعثي عام 2003،فان الدستور العراقي الذي كتب في الخارج وترجم للعربية في بغداد والمعمول به منذ عام 2005 فإنه لم ينصف التركمان ولم يمنحهم حقوقهم كاملة على الرغم من انهم يشكلون المكون الثالث في البلاد، فقد تجاهلتهم الحكومات العراقية المتعاقبة بما في ذلك حكومات ما بعد سقوط النظام البعثي .
يشهد البيت التركماني انقسامات لعدة اسباب منها ، انعدام التماسك والحوارالبناء بين الأحزاب السياسية التركمانية وانشغالها بامور بعيدة عن معاناة الشعب وارتباط بعضها بجهات خارجية. والتعصب المذهبي السني – الشيعي في المجتمع التركماني الذي يحيط به التهديد من جميع الجهات والذي يفترض فية ان يطغي الفكر القومي على انتمائه المذهبي لان التحديات المحدقة بالشعب التركماني لا تهدد مذههم وانما تهدد لغة التركمان وكيانهم. وإخفاق النواب التركمان في بناء تحالفات ستراتجية طويلة الأمد مع الأحزاب الأخرى في البرلمان . وهو اخفاق ناتج عن قلة عددهم في البرلمان . وان انقسامهم فيما بينهم احيانا ساهم كثيرا في إضعاف تأثيرهم في البرلمان.
يفتقرالتركمان للدعم الدولي والاقليمي بعكس ألمكونات العربية الشيعية والسنية والكردية التي تتلقى الدعم المادي والمعنوي من ايران والسعودية والغرب.اما المجتمع الدولي فإنه لا ينظر للتركمان كقضية ذات أولوية مقارنة بالعرب الشيعة والسنة والأكراد. وبالنسبة لتركيا فأنها تدعي بانها تدعم التركمان وفي الحقيقة ان دعمها للتركمان لايتجاوز حدودا المساعدات الإنسانية والاغاثية ولا يتجاوز الواحد بالمليارمما قدمته وتقدمه للاكراد.
واود هنا الاشارة الى حجم الدعم التركي الهاائل للاكراد ، وهو الدعم الذي اشاد به الرئيس العراقي الأسبق الراحل جلال كبيرتين الطالباتي في تصريح أدلى به لمراسلي الصحف التركية في السليمانية قبل توليه منصب الرئاسة حيث قال ” إن تركيا لها دورها المهم بنسبة 60% فيما حققه الاكراد .نحن نشكر تركيا على هذا الدعم.” .
التركمان هم المكون الوحيد في العراق الذي لا يحظى باي دعم خارجي ، ولا يملكون قوة ردع تدافع عنهم على عكس المكونات الاخرى التي تمتلك تشكيلات مسلحة خاصة بهم مثل البشمركة الكردية او الحشد الشعبي الشيعي ..كما ان التركمان ليست لديهم وسائل اعلامية قوية وقنوات تلفزيونية تمثلهم وتروج للثفافة والفنون والهوية التركمانية وتتولى نقل معاناتهم للراي العام العالمي.
ان من اهم المشكلات التي يواجهها التركمان في الوقت الحاضرهي المادة الدستو رية ال(140) والتي تسعى االاحزاب الكردية لتفعيلها من جديد بهدف إلحاق المناطق التركمانية المسماة بالمناطق المتنازع عليها وفي مقدمتها كركوك إلى إقليم كردستان.
لقد سعى النظام البعثي الى تعريب المناطق المناطق التركمانية طوال سنوات جكمه ،وقد نجح الى حد كبير في مسعاه العنصري. اذ قام بتوطين ما يقرب من نصف مليوت عربي جاء بهم من المحافظات الجنوبية والشرقية مقابل اغراءات مالية وسكنية نجح إلى حد كبيرفي مسعاه حيث انه قام بتوطين ما يقرب من نصف مليون عربي جاء بهم من المحافظات الجنوبية والشرقية لقاء إغراءات مالية وسكنية .وكان الهدف من ذلك هو طمس الهوية القومية للتركمان واخضاعهم لسياسات الاستعباد الثقافي والد يموغرافي التي انتهجها النظام في جميع المناطق التركمانية الممتدة من تلعفر الى مندلي.
والجدير بالذكر ان منظمات دولية منها هيومن رايتس ووتش قد وثقت انتهاكات النظام البعثي في تفارير متعددة خلال تسعينات القرن الماضي ووصفتها بانها نوع من التطهير العرقي خاصة في كركوك حيث تم تهجيرالاف العوائل التركمانية الى محافظات اخرى.
اما بعد الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003 فان كركوك وغيرها من المناطق التركمانية قد تعرضت لهجرة كردية واسغة ووممنهجة اخلت بالتوازن السكاني لصالح الاكراد في النتاطق التركمانية. وبهذة الهجرة التي لحقت بالهجرة العربية السابقة تكون المناطق التركمانية قد شهدت خلال نصف قرن هجرتين عربية وكردية ، استهدفت الاولى طمس الهوية التركمانية من خلال تعريبها ، اما الثانية فاستهدفت كركوك على وجه الخصوص لالخاقها باقليم كردستان عبر المادة الدستورية ال140 السيئة الصيت.
وقد تواصل توطين الالاف من العوائل العربية في كركوك في عهد المحافظ العربي السابق. اما الان فان كركوك وغيرها تشهد توطين عوائل كردية يواصله المحافظ الكردي الحالي. وان التغييرالممنهج الخطيرللوضع السكاني في كركوك والمناطق التركمانية الاخرى،يعتبر تطورا في منتهى الخطورة يضع التركمان بين خطرمطرقة التكريد وبين خطرسندان التعريب.
الخروج الآمن من المطرقة والسندان يتطلب ان يتخذ التركمان موقفا موحدا من خلال تشكيل جبهة سياسية قوية تمثل جميع التركمان وتنهي تشتتهم الحزبي والمناطقي والمذهبي.كما ان الخروج الآمن يلزم التركمان على ان يكونوا اقوياء سياسيا ودفاعيا واقتصاديا واعلاميا واجتماعيا. ويتطلب أيضا ان يشكلوا قوة ردع تركمانية يدافعون بها عن انفسهم وارضهم .والعمل على تقوية الهوية القومية التركمانية بعيدا عن العوامل التي تضعف الوزن القومي للتركمان . وإقامة تحالفات مع القوى العربية والكردية المعتدلة ممن تحترم حقوق التركمان كشركاء. والسعي لتولي مناصب تنفيذية في الحكومة والجيش والشرطة ، ووبناء مؤسسات مجتمع مدني قوية تخدم القضية التركمانية، وإدخال الوعي القومي السياسي لعقول الجيل الجديد.والمطالبة بضمانات دستورية لحقوق التركمان،وإيصال قضايا التهميش والتغيير الديموغرافي في المناطق التركمانية للرأي العام العالمي والمنظمات الدولية كالامم المتحدة ومنظمة حقوق الإنسان.
القضية التركمانية اشبه ما يكون اليوم بقضية العيش او الموت. فالتركمان ان لم يوحدوا صفوفهم، وان لم يشكلوا مجلسا سياسيا أعلى يتولى رسم حارطة طريق حقيقية لبناء مشروع وطني كبير يليق بتاريخ التركمان وتضحياتهم ويضم شخصيات سياسية وزعامات عشائرية وممثلين عن االشباب والمرأة واكاديميين وضباطا متقاعدين ، وأن لم يفيقوا من نوم طال عقودا ،وان لم يناضلوا في سبيل الحفاظ على لغتهم وتقاليدهم وكيانهم القومي، وان لم يتكاثروا سريعا، فان انصهارهم في البوتقتين الكردية والعربية سيكون امرا لا مفر منه في المستقبل القريب .
ان الوضع التركماني الراهن يلزم الجبهة التركمانية العراقية على اتباع سياسة حكيمة ترغم تركيا على تقديم الدعم الفعلي للتركمان ، لانها اي تركيا هي الجهة التاريخية الضامنة للتركمان وتقع عليها مسؤولية تقديم الدعم الفعلي للتركمان والدفاع عنهم . واي غياب مستمر لدور تركيا في الدعم الفعلي للتركمان ستملؤه قوى اخرى ، وتعمل على ابعاد تركيا عن ساحة المعادلات فبي العراق..
ان تهميش التركمان في العراق قضية معقدة ومتجذرة في التاريخ السياسي والاجتماعي للعراق. وقد يكون له جذور تاريخية تمتد الى قضية الموصل.ولهذا التهميش اسباب كثيرة منها مايتعلق بالواقع السياسي والاجتماعي ومنها ما هو داخلي يتعلق بأداء التركمان أنفسهم،كغياب قيادة مركزية موحدة او مرجعية تمثل جميع التركمان،وضعف اداء الاحزاب التركمانية التي يجب أن تتركز فعالياتها قبل كل شيء على معاناة التركمان. كما ان التركمان يفتقرون لمؤسسات تعليمية رصينة تصون اللغة التركمانية من التخبط والضياع. ويفتقرون أيضا لمؤسسات إعلامية قوية قادرة علي ايصال معاناة التركمان للرأي العام العالمي.
التركمان هم المكون الثالث الوحيد في العراق الذين ليس لهم اي دعم خارجي كالدعم الذي تتلقاه المكونات الاخرى. وتعتقد بعض الاوساط بان تركيا تساند التركمان وتقدم لهم جميع انواع الدعم. ولكن دعمها في الحقيقة للتركمان لا يتجاوز المساعدات الانسانية والاغاثية وبعض المنح الدراسية ، ولكنها في الواقع تفضل مصالحها الاقتصادية والسياسية في العراق على معاناة التركمان ، وتتظاهربالتعاطف معهم ولكنها في الواقع تنتهج سياسة متذبذبة غير ودية وغالبا لا تترجم إلى دعم فعلي.
لم يفشل التركمان بسبب ضعف قدراتهم ، وإنما بسبب افتقارهم للدعم الخارجي، وبفعل التهميش وسياسات التعريب والتحديات العنصرية التي لحقت بهم منذ تأسيس الدولة العراقية.ورغم هذه السلبيات ،فان الفرصة لا تزال قائمة لصحوة قومية تعيد للتركمان ماضيهم المجيد في العراق ،وتعيد لهم ما فقدوه خلال العقود الماصية ، ان كانوا حريصين على هويتهم التركمانية وعلى عدم انصهارهمة في البوتالكردية والعربية .
وفي هذا السياق يجدر التذكير بقصيدة ارادة الحياة للشاعر التونسي ابو القاسم الشابي حيث يقول:
اذا الشغب يوما اراد الحياة
فلابد ان يستجيب القدر
ولابد لليل ان ينجلي
ولابد للقيد ان ينكسر.
هذه الابيات المليئة بالعبر والدروس العميقة كأنها تريد ان تذكر التركمان بان خلاصهم من التهميش والاقصاء والتحديات السياسية لن يتحقق الا بارادة حرة ونضال طويل الاجل.كما تتضمن تلك الابيات ما يفيد التركمان وعلى سبيل المثال ان ابامكانهم تغيير مصيرهم متى ما امتلكوا الحرص والارادة لتحقيق ذلك.
