اليونسكو واللغة التركمانية في العراق
بقلم : علي البياتلي / بغداد
يشكل إعلان منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو اعتماد اللغة التركمانية ضمن أسرة اللغات التركية العالمية محطة مفصلية في مسار الاعتراف الدولي باللغات بوصفها ركائز أساسية في بناء الهوية الإنسانية وحفظ الذاكرة التاريخية للشعوب. ولا يندرج هذا الإعلان في إطار توصيف لغوي مجرد بل يعكس رؤية ثقافية عميقة تؤمن بأن اللغة وعاء التاريخ ومرآة الوجدان الجمعي ووسيلة نقل القيم والمعرفة عبر الأجيال.
إن تخصيص يوم عالمي لأسرة لغات الترك في الخامس عشر من كانون الأول من كل عام يعكس وعيا متزايدا بأهمية هذا الإرث اللغوي الممتد عبر قرون طويلة من التفاعل الحضاري. وقد ارتبط هذا التاريخ بلحظة علمية فارقة في تاريخ الدراسات اللغوية حين تمكن العالم الدنماركي فيلهلم تومسن عام 1893 من فك رموز نقوش أورخون القديمة الأمر الذي أتاح فهما أعمق للجذور التاريخية للغات التركية وأسهم في إعادة بناء صورة متكاملة لمسارها التطوري وانتشارها الجغرافي.
تندرج اللغة التركمانية في هذا السياق بوصفها إحدى اللغات الحية التي حملت عبر التاريخ خبرات جماعية وتجارب إنسانية غنية وشكلت جسرا للتواصل بين الماضي والحاضر. فهي ليست مجرد أداة تواصل يومي بل نظام معرفي متكامل يعكس أنماط التفكير والبنية الاجتماعية والروحية للمجتمعات الناطقة بها. ومن هذا المنطلق فإن الاعتراف بها ضمن الإطار العالمي لأسرة اللغات التركية يمثل تثبيتا لمكانتها الثقافية والعلمية ويؤكد دورها في إثراء التنوع اللغوي العالمي.
تشير المعطيات المعتمدة لدى اليونسكو إلى أن اللغات التركية تشكل اللغة الأم لمئات الملايين من البشر المنتشرين على رقعة جغرافية واسعة تمتد عبر أوراسيا وتحمل في طياتها تراثا مكتوبا غنيا وتقاليد شفهية راسخة. ويكشف هذا الامتداد عن قدرة هذه اللغات على التكيف والاستمرار رغم التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى وهو ما يمنحها قيمة تاريخية مضاعفة.
ويأتي هذا الاعتراف متسقا مع المبادئ التي أقرتها الأمم المتحدة في مجال التعددية اللغوية والتي تؤكد أن حماية اللغات ليست ترفا ثقافيا بل ضرورة إنسانية للحفاظ على التنوع الفكري وتعزيز الحوار بين الحضارات. فاللغة تمثل الوعاء الأول للمعرفة والوسيلة الأعمق للتعبير عن الذات الفردية والجماعية ومن دونها تتعرض الهويات للتآكل والذاكرة للنسيان.
إن الاحتفاء بأسرة لغات الترك بما فيها اللغة التركمانية يشكل دعوة مفتوحة لإعادة قراءة التاريخ اللغوي بوصفه تاريخا إنسانيا مشتركا ويحفز على دعم البحث العلمي والتعاون الأكاديمي وصون التراث الشفهي والمكتوب. وهو في جوهره فعل وفاء للغة بوصفها روح الشعوب وصوتها العابر للزمن وجسرها الدائم نحو المستقبل.
وهنا نستطيع القول والتطرق إلى اللغة التركمانية ونصفها بأنه أحد اهم الأعمدة الثقافية الأصيلة في البنية الحضارية للعراق إذ لم تكن عبر التاريخ مجرد وسيلة للتخاطب بل شكلت وعاءا حيا للذاكرة الجماعية وحافظة لتجربة إنسانية عميقة أسهمت في صياغة المشهد التاريخي والثقافي العراقي بتنوعه وغناه. فقد رافقت اللغة التركمانية التحولات التاريخية التي شهدها العراق وحملت في مفرداتها وأساليبها آثار التعايش الاجتماعي والتفاعل الحضاري بين مختلف مكونات المجتمع العراقي.
وتمتد أهمية اللغة التركمانية إلى إرثها الأدبي والفني الغني حيث أفرزت نتاجا شعريا ونثريا وموسيقيا يعكس حسا جماليا خاصا ويجسد القيم الإنسانية المشتركة مثل الانتماء والكرامة والوفاء. كما شكّل التراث التركماني مثل الفلكلوري والأغاني الشعبية والمرويات الشفهية سجلا اجتماعيا نابضا يوثق الحياة اليومية والعادات والتقاليد ويعبر عن الوجدان الشعبي في مختلف المراحل التاريخية.
وفي السياق الإنساني الأوسع تبرز اللغة التركمانية بوصفها جسرا ثقافيا يربط العراق بعمقه الأوراسي حسب ما جاء في بيانات اليونسكو ويعزز مفاهيم التنوع اللغوي والتعدد الثقافي التي تشكل أساسا لتطور المجتمعات واستقرارها. إن الحفاظ على هذه اللغة وصون إرثها لا يمثل حماية لهوية جماعة او عرق معين فحسب بل هو إسهام في صون الذاكرة الثقافية للعراق وتعزيز الرصيد الحضاري للإنسانية جمعاء.
