النخلة التي لم تنحن سيرة الدكتور إبراهيم خليل سعيد القافلي
احمد عبد الله كركوكلو
كانت كركوك في ذلك الزمان كامرأة عجوز جميلة لا يشيخ وجهها ظهرها قلعة من حجر شامخة منذ سبعة آلاف عام تخاطب الزمن قائلة أنا باقية وعيناها سوق واسع يضج بأربع لغات وقلبها ينبض بأربع قلوب في صدر واحد فيها التركماني يحفظ الأمثال كما يحفظ اسمه والعربي يبيع الخبز والكردي يعزف الحزن على أوتار العود والسرياني يرسم الصليب على عتبة الباب وإذا مرض طفل في زقاق ضيق نسيت المدينة كل أسمائها وتذكرت اسما واحدا هو الإنسان ومن بين حجارة هذه المدينة ومن بيت متواضع تفوح منه رائحة الشاي والكتب ولد في عام 1953 طفل اسموه إبراهيم خليل سعيد القافلي كان كالشمعة التي لا تصرخ حين تحترق وإنما تضيء في صمت نشأ كما تنشأ شجرة الزيتون في كركوك بهدوء وثبات وعناد أتم دراسته الابتدائية والمتوسطة في مدارس تعرف خطاه وفي عام 1972 رحل إلى بغداد وأنهى المرحلة الثانوية وقلبه معلق بخيط رفيع بقلعة كركوك ثم سافر إلى إسطنبول فمكث سبع سنوات بين الكتب والمشارط يتعلم كيف يمسك بالسن كما يمسك العاشق بيد محبوبته برفق وحذر وعلم وفي عام 1981 تخرج من كلية طب وجراحة الفم والأسنان وعاد يحمل شهادة تلمع كالسيف ويحمل في صدره عهدا ثقيلا يا كركوك سأكون ضمادك وفي عام 1982 ارتدى المعطف الأبيض لأول مرة في مركز صحي بشارع المغرب في بغداد وكان المعطف عليه كثوب فارس خرج لتوه من معركة اسمها الألم ثم ناداه الواجب فأدى خدمته العسكرية ثم دارت به الأيام بين بغداد والسليمانية وكركوك أمضى اثنين وعشرين عاما في الخدمة الحكومية كان يدخل على المريض فيسبقه وجهه بالابتسامة قبل أن يبتسم المريض لأنه آمن بأن الكلمة دواء قبل الإبرة وأن اليد الباردة لا بد أن يسكنها قلب دافئ وفي العام ذاته حمل بطاقة نقابة أطباء الأسنان العراقية فصعد فيها درجة حتى صار نائبا للرئيس دورتين متتاليتين وفي عام 1991 وبين ضجيج العمل سمع قلبه نداء آخر فتزوج من امرأة من شارع صلاح الدين وسكنا معا في طريق بغداد مقابل بنزيخانة عقبه بن نافع لتعبئه الوقود كان البيت بسيطا كقلبه تفوح منه رائحة الكتب والشاي وكانت الزوجة كالمكتبة المفتوحة عقلها ميزان وقلبها مأوى خريجة إدارة واقتصاد تقول له كل صباح اذهب وداو العالم وأنا أداوي تعبك ورزقه الله بفرحتين فجاء *أوزال* أولا كالسؤال الذي لا ينتهي ثم جاءت *يتر* كالضحكة التي تمحو الإعياء وكان يعود من العيادة فيخلع معطفه ويجلس على الأرض فيتسلق أوزال على ظهره ويسأل أبي لماذا يتألم الناس فيجيب الألم يا بني كالمطر يغسلنا حتى ننبت من جديد وتأتي يتر فتنام على كتبه التاريخية كأنها على غيمة وفي عام 2001 اجتمع على إبراهيم تعبان تعب الجسد وتعب الروح فقد خضع لعملية جراحية في القلب نام على سرير المرض الذي طالما وقف بجانبه وكان القلب الذي داوى به الناس لسنوات يحتاج هو إلى من يداويه خرج من العملية كما يخرج الغريق من البحر ضعيفا ولكن حيا وفي العام ذاته وبعد أن استرد أنفاسه قدم استقالته من الوظيفة الحكومية وقال كفاني أن أكون موظفا أريد أن أكون شاهدا فكأن المرض فتح له بابا آخر ومن هنا بدأ عمره الثاني اشترى دفترا وكان الدفتر له كقبر سيدفن فيه كل ما تخشى كركوك أن تنساه فصار يمشي في الأسواق كالعاشق الواله يسأل العطار عن أول صيدلية ويسأل الشيخ عن أول طبيب ويفتش في الورق الأصفر حتى تدمع عينه على وثيقة ضائعة فألف كتاب الطب في كركوك فكأنه فتح صدر المدينة ووصف نبضها وألف كركوك بانوراما التاريخ والإنسان في ثلاثة أجزاء فكأنه رسم المدينة وهي نائمة وألف عن الرياضة وعن طب الأسنان وعن التركمان وألف سيرة القافلي وكان يقول دائما الطبيب يداوي الجسد ليوم واحد والكاتب يداوي النسيان لألف عام وبعد أن استقال من الحكومة فتح عيادته الخاصة في شارع الجمهورية لم تكن العيادة جدرانا وأدوات فحسب بل كانت ملجأ كان بابها مفتوحا للفقير قبل الغني وللموجوع قبل القادر جاءه يوما رجل لا يملك ثمن العلاج فلم يرده عالجه ثم وضع في يده مالا وقال له اذهب واشتر دواء وطعاما لأهلك وكان إذا سمع أن جارا له مريضا لا يستطيع الحركة حمل حقيبته على كتفه ومشى إليه فداواه في بيته ولم يأخذ أجرا كان يقول أجر الطبيب ليس في الصندوق أجره في دعوة تخرج من قلب شفي ثم في عام 2003 وفي زمن كان الخوف فيه كالدخان يملأ الشوارع وضعوا على كتفيه أمانة ثقيلة اسمها رئاسة نقابة أطباء الأسنان العراقية فظل حاملها حتى عام 2016 كالنخلة في العاصفة لا تنحني ولكنها تظلل وفي عام 2021 جاء الغروب الذي يأتي لكل الشموع التي أحرقت نفسها لتضيء فتعب الجسد الذي أتعب نفسه في خدمة الناس واستسلم ورحل إبراهيم خليل سعيد القافلي ولكن الحزن لم ينته عند رحيله فقد سبقته زوجته رفيقة الدرب ابنة شارع صلاح الدين إلى الرحيل في حادث سير أليم فبقي *أوزال* و*يتر* وحيدين بلا أب وبلا أم كفرخين فقدا العش في ليلة عاصفة بكت كركوك لهما وبكى كل من عرف إبراهيم وبكى بيت في طريق بغداد وبكى شارع الجمهورية الذي أغلق بابه ولكن كركوك لا تدفن أبناءها ففي عام 2022 افتتحت دائرة الصحة ونقابة أطباء الأسنان قاعة جديدة وسمتها قاعة الدكتور إبراهيم خليل سعيد القافلي للمؤتمرات والبحوث ووقف الدكتور رائد العطار والدكتور نبيل بوشناق فقالا هذا الرجل لم يمت هذا الرجل صار منهجا وأنا أقول العطاء أن تفيض وأنت تعلم أنك ستفرغ وقد فاض دكتور إبراهيم فاض في العيادات وفاض في الكتب وفاض في قلبين صغيرين اسمهما أوزال ويتر واليوم إذا مررت ليلا في طريق بغداد أو في شارع الجمهورية سمعت صوتين صوت مثقاب كان يعالج بالمجان وصوت قلم كان يكتب لكي لا ننسى وكلاهما يهمس اسمي إبراهيم.
وصية الدكتور إبراهيم
داو المريض كأنه أبوك فإن لم تستطع أن تشفيه فلا تزد وجعه بكلمة قاسية لا ترد فقيرا من بابك فالله يرزقك ليرزق به غيرك والصدقة دواء قبل أن تكون عطاء اكتب تاريخك وتاريخ مدينتك فإن مت وبقي كتابك فقد مت مرة واحدة وإن مت ولم تكتب فقد مت مرتين أحب مدينتك بكل لغاتها وأطيافها فالغربة موت والانتماء حياة تذكر أن المعطف الأبيض أمانة وأن القلم أمانة وأن الابتسامة أمانة
_رسالة الكاتب إلى القراء_
أيها القارئ الكريم إنك لم تقرأ سيرة رجل فقط بل قرأت مرآة مرآة فيها وجه كركوك ووجه كل مدينة أنجبت رجالا أحرقوا أنفسهم لتضيء دروبنا لا تبك على إبراهيم البكاء لا يعيد الشموع ولكنه يطفئها مرتين الذي يعيد إبراهيم إلى الحياة هو أنت كن أنت الطبيب الذي يرى في المريض إنسانا قبل أن يرى مرضا كن أنت المدرس الذي يكتب على السبورة ويكتب في القلوب كن أنت الجار الذي إذا سمع أنينا حمل حقيبته ومشى لا يسأل عن الأجر ولا عن المقابل كن أنت الذي إذا رأى تاريخه يضيع أمسك قلما وقال لن أنسى إن الأمم لا تبنى بالقصور الشاهقة ولا بالشوارع العريضة وحدها الأمم تبنى برجال إذا دخلوا مكانا تركوا فيه أثرا لا يمحى رجال مثل إبراهيم لقد علمنا أن العظمة ليست في المنصب فقد كان رئيس نقابة وليست في الشهادة فقد كانت معه من إسطنبول العظمة في أن تعطي وأنت تعلم أنك ستفرغ وأن تحب وأنت تعلم أنك سترحل وأن تكتب وأنت تعلم أنك لن تقرأ كل ما كتبت يا أهل كركوك احفظوا أبناءكم *أوزال* و*يتر* فهم أمانة في أعناقكم وهم امتداد لرجل أعطاكم عمره ويا أهل العراق لا تدعوا الذاكرة تموت من نسي ماضيه باع مستقبله وإن سألك ولدك يوما من كان إبراهيم فقل له كان رجلا مشى على الأرض بقلب ملاك وعاش بيننا كالنخلة يعطي التمر ويعطي الظل ثم رحل واقفا أنا أحمد عبد الله كركوكلي كتبت هذا لأني آمنت أن الكلمة قد تكون ضمادا لجرح النسيان فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي رحم الله الطبيب الإنسان ورحم الله الزوجة وحفظ الله أوزال ويتر.
فإن متنا فليرحمنا الله.
