بعد أعوام طويلة من الجهد والعمل في ميدان صون التراث الثقافي غير المادي لتركمان العراق من قبل الباحث والكاتب علي حسين البياتلي ومن السعي إلى حفظه وإبرازه والعمل على إدراجه في قوائم التراث الثقافي غير المادي بدأت الجهود تنتقل من حيز الفكرة والسعي إلى ميادين العمل والتطبيق لتخطو الذاكرة طريقها نحو الحياة.
وكانت إحدى أولى هذه الخطوات إطلاق برنامج للتأهيل والتوعية جمع عددًا من أصحاب المهن والحرف التراثية والشعراء والأدباء في فضاء يلتقي فيه الإبداع بالمسؤولية للتعريف بطرائق صون التراث غير المادي وحفظه وبالسبل التي تكفل انتقاله حيًّا من جيل إلى جيل.
تم تفعيل البرنامج وتنظيمه في إطار مؤسسة نادي الإخاء التركماني في بغداد ذلك الصرح الذي يمثّل المنبر الثقافي التركماني في العراق ويجمع حول رسالته أصوات الثقافة وأهل المعرفة والإبداع. وجاء البرنامج برعاية مباشرة وكريمة من رئيس النادي وبالتعاون مع وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية.
وكان البرنامج بإشراف وجهود الباحثين وهما الأستاذة الدكتورة سهام الزنكي والباحث والكاتب علي حسين البياتلي في عمل مشترك جمع الرؤية والتنظيم ووحّد الجهود من أجل إنجاح هذه المبادرة وتحقيق أهدافها.
واستُهلّت الفعاليات بكلمات ألقاها السادة المسؤولون أعقبتها فقرة موسيقية عُزفت فيها مقامات أصيلة من المقامات التركمانية العراقية القديمة فكان الافتتاح استحضارًا لذاكرة المكان وإصغاءً إلى نغم توارثته الأجيال وحفظت به جانبًا من هويتها.
وتضمّن البرنامج معرضًا فنيًا ضمّ الحرف اليدوية والخزف وفنون الخط العربي ولوحات جميلة عكست ملامح التراث الثقافي التركماني في العراق. واجتمعت في أرجائه مهارة اليد وجمال الحرف ورؤية الفنان لتحكي كل قطعة جانبًا من حكاية الذاكرة والجمال.
وحضر البرنامج معالي وكيل وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية ومستشارة معالي الوزير وممثلون عن البعثات الدبلوماسية الأجنبية المعتمدة في بغداد وممثلون عن الأحزاب السياسية إلى جانب جمع كريم من أعلام الأدب والشعر من التركمان والعراقيين ونخبة من الإعلاميين. وقد عكس هذا الحضور أن صون التراث شأن يتجاوز حدود الاختصاص وأن الذاكرة الثقافية حين تجد من يرعاها تصبح جسرًا يصل الماضي بالحاضر ونافذة مشرعة على المستقبل.
واختُتمت فعاليات البرنامج بنجاح وقد حقق أهدافه كما رجوناها. وكانت هذه الخطوة بداية طريق طويل لكنها تحمل وعدًا كبيرًا
أن يبقى تراثنا محفوظًا في الوعي حاضرًا في الحياة وممتدًا في وجدان أبنائنا؛ فالأمم التي تصون ذاكرتها تعرف كيف تحفظ هويتها وتمضي إلى الغد أكثر ثقة بجذورها وأشد اعتزازًا بما ورثته.
