د. شمس الدين كوزه جي..
ابن كركوك الذي جمع بين عشق الكرة ورسالة الإعلام والرياضة
بقلم: جنكيز ياسين
تحتفظ كركوك في ذاكرتها الرياضية بأسماءٍ لم يكن حضورها عابراً، بل امتد أثرها من الملاعب إلى ميادين التعليم والتدريب والإعلام. ومن بين هذه الشخصيات يبرز د. شمس الدين صالح خضر كوزه جي، الذي جمع في مسيرته بين لاعب كرة القدم، والمدرب، ومدرس التربية الرياضية، والإعلامي والكاتب، ليقدم تجربة غنية امتدت لأكثر من أربعة عقود.
إنها حكاية ابن كركوك الذي بدأ من ملاعب حي المصلى، وحمل حلم كرة القدم إلى الأندية والمنتخبات والجامعات، قبل أن ينتقل إلى التدريب والإعلام، ويسهم في توثيق جانب مهم من ذاكرة الرياضة الكركوكية والعراقية.
الميلاد والنشأة في كركوك
في الأول من تموز عام 1965، أبصر شمس الدين كوزه جي النور في حي المصلى بمدينة كركوك، ونشأ في أسرة لها حضورها الفني والثقافي، فهو من عائلة الفنان الراحل عبد الواحد كوزه جي، أحد الأسماء المعروفة في الغناء الكركوكي الأصيل.
قضى طفولته في أزقة المصلى وساحاتها، وكانت كرة القدم شغفه الأول، إذ مارسها في حديقة المصلى وساحة الجقور، قبل أن تتحول الهواية إلى مسيرة رياضية حقيقية.
وفي طفولته كان يساعد جده في محل صناعة الكوز «الجرّة» في سوق كركوك الكبير، لكنه اختار كرة القدم طريقاً له، رغم معارضة الأسرة في بداياته، فواصل اللعب حتى أصبح أحد لاعبي جيل مهم من أجيال كرة القدم في كركوك.
من ملاعب المصلى إلى تمثيل كركوك
بدأت خطواته الرياضية المنظمة عام 1975 في متوسطة المستقبل، بإشراف مدرسي التربية الرياضية علي جبار مردان وسيد كمال، ثم لعب ضمن فريق قرة التون الشعبي في منطقة المصلى، إلى جانب عدد من أبناء المنطقة.
وفي عام 1977، التحق بـ مركز شباب كركوك بإشراف المدرب جمال أحمد مصطفى، كما لعب مع فريق عاصفة المصلى، لتبدأ مرحلة جديدة من مسيرته الرياضية.
وتدرج كوزه جي في الفئات العمرية، ومثل فرق كركوك في منافسات الناشئين والشباب، تحت إشراف مجموعة من المدربين المعروفين، أمثال كاظم ياسين، فاضل عبد المجيد، نجاة عزت، فريدون مصطفى، كامل علي، كريم أفندي وعدنان عبد القادر.
وقد أسهمت تلك المرحلة في بناء شخصيته لاعباً، ومنحته فرصة الاحتكاك بالعديد من لاعبي جيله، فضلاً عن المشاركة في البطولات المدرسية والشبابية وبطولات المحافظات والقطر.
بطولات صنعت تجربته
شارك كوزه جي في عدد من البطولات المهمة، وكان من أبرز محطاته إحراز بطولة مديريات شباب القطر عام 1982 في ديالى مع منتخب كركوك، بعد الفوز على منتخب بابل بنتيجة 2-1.
كما شارك في بطولات منظمة الشباب وبطولات منتخبات التربية، وحقق نتائج متقدمة مع الفرق التي مثلها، ليؤكد حضوره ضمن جيل من لاعبي كركوك الذين شكلوا قاعدة مهمة للكرة العراقية.
ومن المباريات التي يتذكرها باعتزاز مشاركته مع منتخب كركوك للناشئين أمام منتخب دهوك عام 1978، والتي سجل خلالها هدفاً من خارج منطقة الجزاء، إلى جانب مباريات أخرى أمام منتخبات أربيل وبغداد والموصل.
نادي واحد حزيران.. محطة مهمة في مسيرته
في عام 1982، بدأ مرحلة جديدة بتمثيله نادي واحد حزيران، واستمر معه حتى عام 1987، ليخوض خلال هذه الفترة منافسات الدرجة الأولى ويواجه عدداً من الأندية العراقية المعروفة.
ومن أبرز مبارياته مع النادي مواجهته فريق الطلبة في بعقوبة عام 1985، وانتهت بالتعادل 1-1، ومباراته أمام التجارة عام 1984 التي انتهت بالتعادل السلبي.
كما خاض مباريات صعبة أمام الطلبة وغيرها من الفرق، وكانت تلك المواجهات فرصة مهمة للاحتكاك بنخبة من نجوم الكرة العراقية في ثمانينيات القرن الماضي.
واجه نجوم الكرة العراقية
خلال مشواره لاعباً، واجه كوزه جي عدداً من أبرز لاعبي الكرة العراقية، ومن بينهم فلاح حسن، حسين سعيد، هادي أحمد، عادل خضير، سمير شاكر، ناظم شاكر، حسن فرحان، جليل حنون، فتاح نصيف، جمال علي، إبراهيم علي، فيصل عزيز، سليم فلاح وغيرهم.
وكان هذا الاحتكاك مع نجوم الكرة العراقية عاملاً مهماً في تطوير مستواه واكتساب الخبرة، خصوصاً أنه جاء في فترة كانت فيها الكرة العراقية تعيش مرحلة مميزة من المنافسة والتطور.
جامعة الموصل.. حين اجتمع العلم والرياضة
في أيلول عام 1984، التحق بكلية التربية الرياضية في جامعة الموصل، ليجمع بين الدراسة الأكاديمية ومواصلة مشواره الرياضي.
مثل منتخب كلية التربية الرياضية لكرة القدم، وتولى شارة القيادة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وحقق مع الفريق نتائج متميزة، من بينها إحراز بطولة الجامعات عام 1985، ثم المركز الثالث عام 1988 والمركز الثاني عام 1989.
كما مثل جامعة الموصل في البطولات الجامعية، وخاض مباريات قوية أمام فرق جامعية من بغداد ومحافظات أخرى.
لكن عام 1987 حمل له حادثاً مؤسفاً غيّر مسار حياته الرياضية، إذ تعرض لإصابة خطيرة في ساقه اليسرى أثناء وجوده في بغداد، وخضع لعمليتين جراحيتين، الأمر الذي أجبره على الابتعاد عن الملاعب والدراسة لفترة.
ومع ذلك، لم يستسلم للإصابة، فعاد إلى دراسته وأكمل مشواره الأكاديمي، ليتخرج عام 1989 حاصلاً على شهادة بكالوريوس التربية الرياضية من جامعة الموصل.
من اللاعب إلى المدرب
بعد ابتعاده عن الملاعب، بدأ كوزه جي مرحلة جديدة في عالم التدريب.
ففي عام 1992 عمل مساعداً لمدرب نادي الثورة بإشراف المدرب كاظم ياسين، ثم واصل العمل عام 1993 مع المدرب فاضل عبد المجيد.
وفي العام نفسه تولى تدريب فريق الاتحاد الوطني لطلبة العراق – فرع كركوك، وحقق معه المركز الثالث على مستوى العراق من دون خسارة، في إنجاز يؤكد قدرته على توظيف خبرته لاعباً في العمل التدريبي.
كما عمل مدرباً لعدد من فرق ومنتخبات كركوك، وشارك في إعداد المنتخبات العمرية، وقاد منتخب كركوك في مباراة ودية أمام منتخب الموصل، انتهت بفوز كركوك 2-0.
وحصل عام 1993 على شهادة تدريب دولية بعد مشاركته في دورة تدريب مدربي الشباب في بغداد، كما حصل عام 1994 على شهادة تحكيمية من الاتحاد العراقي لكرة القدم في كركوك.
الإعلام الرياضي.. حين حمل القلم والكاميرا ذاكرة كركوك
لم تتوقف مسيرة شمس الدين كوزه جي عند حدود الملعب، فقد دخل عالم الإعلام الرياضي، وقدم تجربة مميزة عبر شاشة تلفزيون كركوك.
وفي 3 شباط 1992، انطلقت أولى حلقات برنامج «الرياضة والشباب» باللغة التركمانية، من إعداده وتقديمه، واستمر البرنامج لنحو أربع سنوات.
وكان البرنامج يعرض أسبوعياً على شاشة تلفزيون كركوك، ويتناول الأخبار الرياضية المحلية والعراقية والعالمية، وتحليل المباريات، والنصائح الرياضية، والقوانين، والزاوية الطبية، والمسابقات، واللقاءات والتحقيقات والتقارير والتمارين التدريبية.
وخلال سنوات البرنامج، أجرى أكثر من 500 لقاء مع شخصيات رياضية من كركوك ومختلف المحافظات، بينهم عدد من رواد الحركة الرياضية الكركوكية، وفي مقدمتهم كمال عبد القادر، أحمد جلال، عز الدين مجيد، صابر علي، عادل عبد الله، كريم فندي، عدنان عبد القادر، كاظم ياسين، كريم محمد قادر، محمد بله وغيرهم.
كما استضاف البرنامج شخصيات رياضية عراقية بارزة، من بينها عمو بابا، أنور جسام، حسين سعيد، يحيى علوان، سهيل صابر، عبد الإله عبد الحميد، ناظم شاكر، حسن فرحان، مجبل فرطوس، عبد الأمير ناجي، كريم محمد علاوي وخليل محمد علاوي.
ولم تقتصر حلقاته على الرياضيين، بل استضاف عدداً من الصحفيين والإعلاميين، ليصبح البرنامج مساحة مهمة للتعريف برجال الرياضة والإعلام وتوثيق تجاربهم أمام الجمهور.
وقد حظي البرنامج بالدعم والتشجيع من العاملين في تلفزيون كركوك ووكالة الأنباء العراقية في كركوك وعدد من الشخصيات الرياضية والإعلامية، فضلاً عن محافظ كركوك آنذاك.
أكثر من 500 حكاية رياضية
كان برنامج «الرياضة والشباب» أكثر من مجرد برنامج تلفزيوني؛ فقد تحول إلى نافذة لتوثيق تاريخ الرياضة في كركوك.
فمن خلال لقاءاته، انتقلت شهادات الرواد وتجارب اللاعبين والمدربين والإداريين إلى الجمهور، وتم تسجيل جوانب مهمة من تاريخ الرياضة الكركوكية التي ربما كانت ستبقى حبيسة الذاكرة الشخصية لأصحابها.
ومن هنا تكمن أهمية التجربة الإعلامية لكوزه جي، الذي لم يكتفِ بممارسة الرياضة، بل سعى إلى توثيقها وحفظ ذاكرة رجالها.
التعليم والكتابة
إلى جانب الرياضة والإعلام، عمل شمس الدين كوزه جي مدرساً للتربية الرياضية في تربية كركوك منذ عام 1992، مواصلاً رسالته التعليمية إلى جانب نشاطه الرياضي والإعلامي.
كما عرف باهتمامه بالكتابة والشعر، وهو عضو في اتحاد الأدباء العراقيين، وشارك في إعداد وتقديم برنامج «مجلة الرياضة» في إذاعة بغداد بالقسم التركماني، فضلاً عن نشر مقالاته وكتاباته الرياضية في الصحافة التركمانية.
مسيرة تجمع الملعب بالقلم
عاصر شمس الدين كوزه جي ثلاثة أجيال من لاعبي كركوك ونادي واحد حزيران، كما عاصر مجموعة من لاعبي الموصل، وواجه خلال مشواره عدداً من أبرز نجوم الكرة العراقية.
وبين كرة القدم والتدريب والتعليم والإعلام والكتابة، تشكلت تجربة شخصية رياضية وثقافية مميزة.
لقد بدأ من حديقة المصلى وساحة الجقور، ثم انتقل إلى مركز شباب كركوك وفرقها وممثليها في البطولات، وواصل مشواره مع نادي واحد حزيران وجامعة الموصل، قبل أن ينتقل إلى التدريب والإعلام.
وهكذا أصبح شمس الدين كوزه جي واحداً من أبناء كركوك الذين لم تكن الرياضة بالنسبة لهم مجرد لعبة، بل مسيرة حياة ورسالة ومسؤولية.
لقد جمع بين الملعب والقلم والكاميرا، وحوّل عشقه لكرة القدم إلى رسالة امتدت عقوداً، فكان لاعباً ومدرباً ومعلماً وإعلامياً وموثقاً، حاملاً معه ذاكرة مدينة كركوك ورجال رياضتها وأجيالها.
د. شمس الدين كوزه جي.. ابن كركوك الذي جمع بين عشق الكرة ورسالة الإعلام والرياضة، وترك بصمته في ملاعبها وشاشتها وذاكرة رياضييها.



#الشرق تايمز
