من بعد علي ضاعت الضحكة
احمد عبد الله كركوكلى
كان في قلعه كركوك فى محلة حمام مسلم رجل اسمه محمد النفطجي بيته عش صغير ورائحته دائما خليط من النفط والتعب وكان له عربة خشبية قديمة يجرها بيده ويطوف بها القلعة بيتا بيتا وتنكات النفط تصطك فوق العربة وصوته ينادي من الفجر نفط نفط للسراج فيدخل هذا البيت ويخرج من ذاك يضيء بيوت الناس وهو بيته مظلم وفي ثلاثينيات القرن الماضي رزقه الله ولدا سماه عليا وله أخ اسمه جاسم وإخوة غيرهما وشب علي كما تشب زهرة بين الحجارة لم تكن له لعبة إلا ظله ولا ثوب إلا الصبر فلما بلغ الحادية عشرة من عمره اشتغل عند صاحب محل مكواة وكان يقف ساعات يكوي للناس أثوابهم والبخار يتصاعد من تحت يده ويلتف حول وجهه كضباب على قمة حزينة وكانت المكواة تحرق أصابعه ولكنها لم تكن تحرق إلا جسده أما قلبه فكان يحترق وحده وفي الليل إذا نام الناس كان يجلس وحده ويخط الشعر والخوريات على هامش ورق قديم كأنما يكتب على جدران قلبه وسموه علي أق جاي والأقجة كانت عملة فضية عثمانية قديمة كانت تمر في أيدي أهل القلعة جميعا لا يخلو منها بيت ولا يكتمل بها شراء ولا بيع فأطلقوا على علي هذا الاسم لأنه كان كذلك يمر على كل البيوت ويدخل المجلس فينقلب العبوس قهقهة وكأن الضحك عصفور كان محبوسا في صدره فأطلقه أما أبوه محمد النفطجي وأمه فكانا ينظران إليه من باب الغرفة وقلوبهما تتقطع رأته أمه مرة يعود من العمل وأصابعه محترقة من البخار فاحتضنته وبكت وقالت يا ولدي متى سترتاح وضرب أبوه على صدره الذي تفوح منه رائحة النفط وقال بصوت متهدج أنا أجرعربتي في القلعة بيتا بيتا لأضيء بيوت الناس وأنت يا ولدي تضيء قلوبهم أعطيناك اسم الملوك فلماذا أعطتك الدنيا ثوب التعب فابتسم علي ومسح دموع أمه بكمه وقال يا أبي إن بكيت أنا فمن سيضحك للقلعة وفي عام 1967 اصبح شحه الماء عطشت القلعة فبنوا تانكيا كبيرا للماء وجعلوا عليا حارسا له يقف فوقه كالنسر الوحيد فوق صخرة وحوله كانت البساتين والغباغب تلهث عطشا وكان إذا امتلأ الخزان لا يغلق الصمام سريعا كان يهمس للماء كأنه صديق اذهب اسق الأرض فللتراب أيضا حق في الحياة فكان يترك الماء يجري حتى ترتوي الجذور فلما علموا طردوه كما تطرد الرحمة من قلوب القاسين فرجع إلى محل المكواة إلى التعب إلى وحدة أشد من الجليد وكان في قلبه حب لفتاة من القلعة اسمها لم يذكره أحد بعدها كان يراها تمر كل صباح وفي يدها كتاب فكان يقف بعيدا ويمسح العرق عن جبينه ويبتسم أحبها كما يحب الفقير القمر ينظر إليه ولا يطوله لم يذهب ولم يطلب لأنه لم يكن يملك إلا أجرة يده والضحكة وقلبا متعبا وكان يعلم أن البيوت لا تبنى بالحب وحده فلما سمع يوما خبر زواجها جلس على سطح بيته لم يبك ولم يصرخ فقط أطفأ السراج وقال لنفسه نام يا علي القلعة غدا تحتاج ضحكتك ومن يومها صار للخمر بيت ومن تلك الليلة بدأ يشرب الخمر في البداية كانت كأسا واحدة يغرق بها ليلة ثم صارت اثنتين ثم صار البيت كله كأسا صارت الخمر صديقته الوحيدة التي تجالسه إذا نام الناس وحبيبته الوحيدة التي لا ترده إذا مد يده كان يحدثها ويضحك معها ثم يبكي عليها ظنها دواء فإذا بها داء تدهورت أحواله وترك محل المكواة وباع الأيام وباع صوته وتآكل جسده ببطء حتى تذمر كبده من الكحول كما يتذمر العبد من سيده ونخره المرض من الداخل واصفر وجهه وارتجفت يداه التي كانت تضحك الناس وفي يوم جاءه رجل ببدلة ثمينة ليكويها فكواها بيدين ترتجفان ثم ارتداها الرجل وخرج والعجيب في هذه الدنيا إذا ارتدى الغني ثوبا جديدا قالوا له مبارك وإذا ارتداه الفقير سألوه من أين لك هذا وبعد أربعة أيام طرق الباب صاحب البدلة وكان علي في الطابق العلوي فألقى له الثوب من النافذة وقال ضاحكا ضحكة مكسورة خذ قاطك وعافاك الله ومضى يحول الإهانة إلى نكتة حتى آخر عمره وفي أواخر أيامه سقط في الفراش لا يخدمه أحد إلا الجدران وكانت الجدران تسمع أنينه فتبكي صمتا وفي ليلة أغمض عينيه وانتقل إلى رحمة الله دفن في المصلى ومنذ ذلك اليوم اعتكفت القلعة عن الضحك وإذا سألت أحدا عنه تنهد وقال من بعد علي ضاعت الضحكة.
وصية علي أق جاي أنا العبد الفقير إلى الله علي بن محمد النفطجي وأنا على فراش المرض أوصي أهل القلعة ألا يغلقوا بابهم في وجه المهموم إذا ضحك فإن الضحكة رزق وأوصيكم إذا رأيتم ماء فائضا أن تسقوا به الزرع ففي سقيا الأرض سقيا للقلوب العطشى وأوصي نفسي التي ظلمتها سامحني يا الله ظننت الخمر صديقة فإذا بها سجان ظننتها حبيبة فإذا بها تأكل كبدي وأما أنت يا من مررت ذات صباح وفي يدك كتاب عيشي لم أغضب ولم أطلب فقط أحببتك من بعيد كما يحب الفقير النور ادفنوني في المصلى واكتبوا على قبري هنا يرقد ابن النفطجي صاحب العربة الذي أضاء القلعة بضحكته ثم انطفأ ولا تبكوا علي طويلا فإن الحياة الدنيا متاع الغرور ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام اللهم اغفر لي وارحمني علي أق جاي
رسالة الكاتب إلى من سيقرأ هذه السطور كتبت عن علي ابن النفطجي الأب كان يجر عربته في القلعة بيتا بيتا ليضيء السراج والابن باع عمره ليضيء القلوب ثم أطفأه الصمت أحب فتاة ولم يقل لها وحين تزوجت لم يذهب ولم يطلب فقط شرب وصارت الخمر صديقته وحبيبته وسجانه حتى أكلت كبده وتذكروا إذا ضحك الفقير قالوا مجنون وإذا لبس قالوا من أين لك وإذا بكى الغني قالوا حساس وإذا لبس قالوا مبارك فلا تبحثوا عن الدواء في الكأس الدواء في يد تمتد وفي باب يفتح وفي قلب يسمع قبل أن ينكسر علي أق جاي لم يمت يوم دفن مات يوم قال لنفسه ليس لي أحد رحم الله علي أق جاي رحم الضحكة التي كانت وطنا. فان متنا فليرحمنا الله.
