عطا ترزي باشي .. امين التراث التركماني العراقي
الراهب الصامت في معبد الذاكرة الحضارية العراقية
دراسة تحليلية لشخصيته الادبية ومقارنة اعماله مع كبار علماء العراق مثل مصطفى جواد وعبدالحميد العلوج و جواد علي
بقلم : علي البياتلي
في التاريخ الثقافي للشعوب تظهر أسماء كثيرة ثم تختفي مع مرور الزمن وتبقى حبيسة أرشيف المكتبات وصفحات السير الذاتية لأن أصحابها كانوا أبناء لحظتهم الزمنية فقط أما الشخصيات التي تتحول إلى جزء من الضمير الحضاري للأمم فهي قليلة ونادرة للغاية لأنها لا ترتبط بعصر مؤقت ولا بجدل سياسي عابر وإنما ترتبط بجوهر الإنسان نفسه وبالذاكرة العميقة للمجتمع ومن بين هذه الشخصيات النادرة يبرز اسم عطا ترزي باشي بوصفه واحدا من أكثر الشخصيات العراقية فرادة وغموضا وعمقا في القرن العشرين لا لأنه كتب كثيرا فحسب ولا لأنه امتلك موهبة لغوية أو قدرة توثيقية استثنائية فقط بل لأنه حمل على كتفيه مهمة حضارية شاقة تتمثل في إنقاذ الذاكرة العراقية التركمانية من التآكل البطيء الذي يصيب المجتمعات حين تتعرض للتحولات السياسية والهجرات والانقطاعات الثقافية والنسيان التدريجي
لقد عاش عطا ترزي باشي في زمن كانت فيه المنطقة العراقية تعيش صراعات سياسية وفكرية وقومية عاصفة وكان بإمكانه أن يتحول إلى خطيب سياسي أو كاتب أيديولوجي أو صحفي يومي يلاحق الأحداث المتسارعة لكنه اختار طريقا مختلفا تماما وأكثر صعوبة وأعمق أثرا إذ أدرك مبكرا أن السياسة مهما علت ضوضاؤها تبقى مؤقتة وأن الضجيج الإعلامي يذوب مع مرور السنوات أما ما يبقى حقا فهو روح الناس ولغتهم وحكاياتهم وأغانيهم وأمثالهم ولهجاتهم الشعبية وتفاصيل حياتهم اليومية ولهذا انصرف منذ وقت مبكر إلى جمع تلك التفاصيل الصغيرة التي كان الآخرون يرونها هامشية بينما كان هو يراها قلب الحضارة الحقيقي
ومن هنا تبدأ فرادته الكبرى لأنه لم يتعامل مع الثقافة بوصفها ترفا فكريا أو نشاطا نخبويا معزولا عن الناس بل تعامل معها باعتبارها الوعاء الذي يحفظ وجود المجتمع نفسه ولذلك تبدو أعماله كلها وكأنها محاولة كبرى لمنع مدينة تمتلك ارثا ثقافيا كبيرا من الاختفاء في الظلام وكأن الرجل يشعر بخوف داخلي عميق من أن يأتي يوم تختفي فيه الأغاني الشعبية الكركوكية وتموت اللهجات القديمة ويصبح التراث الشفهي مجرد صدى بعيد لا يعرفه أحد
إن التأمل العميق في شخصية عطا ترزي باشي يكشف أننا لسنا أمام مؤلف تقليدي بل أمام إنسان يمتلك حساسية حضارية استثنائية فمن خلال أسلوبه الهادئ وطريقته الدقيقة في التوثيق واهتمامه الشديد بالتفاصيل الصغيرة يمكن استنتاج أنه كان يعيش إحساسا دائما بأن الزمن يسرق من المجتمع أشياء لا تعوض وأن واجبه الأخلاقي يتمثل في إنقاذها قبل أن تضيع ولهذا فإن مشروعه الفكري لم يكن مشروعا شخصيا يسعى إلى بناء مجد ذاتي أو شهرة أدبية بقدر ما كان مشروعا إنقاذيا طويل النفس يشعر فيه صاحبه بأنه مسؤول عن ذاكرة شعب كامل
ولعل هذه السمة تحديدا هي التي جعلته مختلفا عن كثير من الأدباء والمثقفين العراقيين والعرب ففي الوقت الذي انشغل فيه كثير من الكتّاب بالتنظير الفكري أو الخطابة السياسية أو التعبير الذاتي بقي عطا ترزي باشي منحازا إلى الإنسان البسيط وإلى الحياة اليومية وإلى التفاصيل التي تمر بصمت دون أن يلتفت إليها أحد لقد كان يرى أن الحضارة الحقيقية لا تسكن القصور والمؤسسات الرسمية وحدها بل تسكن أيضا في الأسواق القديمة والمقاهي الشعبية والأهازيج التي ترددها النساء وفي الكلمات الدارجة التي ينطق بها البسطاء دون أن يدركوا أنهم يحملون داخل أصواتهم تاريخا طويلا من التراكم الحضاري
ولهذا السبب تحديدا جاءت مؤلفاته مختلفة في روحها عن كثير من الكتب الأكاديمية الجامدة فالقارئ حين يقرأ أعماله لا يشعر بأنه أمام مادة أرشيفية باردة بل يشعر أنه يسير داخل أزقة كركوك القديمة ويسمع أصوات الباعة وروائح الأسواق ولهجات الناس وأغانيهم الشعبية وكأن الكاتب لا ينقل المعلومات فقط بل يعيد بعث الحياة نفسها داخل النصوص وهذه القدرة ليست مجرد مهارة لغوية وإنما انعكاس لشخصية تمتلك علاقة وجدانية عميقة بالمكان والناس والذاكرة
إن عطا ترزي باشي كان يمتلك عقلا أرشيفيا نادرا للغاية لأن الإنسان العادي يمر على التفاصيل الصغيرة دون أن يشعر بأهميتها أما هو فكان يرى في كل تفصيل بسيط علامة حضارية تستحق الحفظ والتوثيق وكان يدرك أن الأمم لا تفقد هويتها دفعة واحدة وإنما تفقدها تدريجيا حين تنقرض مفرداتها الشعبية وتختفي حكاياتها الشفوية وتموت أغانيها القديمة ولهذا انشغل طوال حياته بجمع الأمثال والحواريات والأغاني الشعبية واللهجات والمفردات القديمة لأنه كان يعلم أن هذه الأشياء ليست مجرد مواد فولكلورية للتسلية بل هي الشفرة العميقة التي تكشف روح المجتمع وتاريخه النفسي والثقافي
ومن هنا يمكن فهم عمق مشروعه الحقيقي فالرجل لم يكن مجرد باحث في التراث الشعبي بل كان في جوهره حارسا للذاكرة الحضارية العراقية وقد تبدو هذه العبارة شاعرية للوهلة الأولى لكنها في الحقيقة توصيف دقيق للغاية لأن مهمة حارس الذاكرة ليست إنتاج الأفكار الجديدة فقط وإنما حماية ما هو موجود أصلا من الضياع والنسيان فالحضارات لا تنهار فقط بالسقوط العسكري بل تنهار أيضا حين تنقطع ذاكرتها ويصبح الجيل الجديد عاجزا عن سماع أصوات أجداده وفهم لغتهم ومشاعرهم
لقد أدرك عطا ترزي باشي أن كركوك ليست مجرد مدينة جغرافية وإنما كائن حي يمتلك ذاكرة وروحا ولهجة وإيقاعا خاصا ولذلك كرّس جزءا هائلا من حياته لتوثيق هذه الروح قبل أن تذوب تحت ضغط التحولات الحديثة وربما لهذا السبب تبدو كتبه اليوم أكثر قيمة مما كانت عليه في زمنه لأن المدن تتغير واللهجات تضعف والهجرات تمزق المجتمعات بينما تبقى أعماله شاهدة على عالم كامل كان مهددا بالاختفاء
ومن الناحية النفسية يمكن القول إن شخصيته كانت تميل إلى التأمل العميق أكثر من الميل إلى المواجهة فالهدوء الواضح في أسلوبه يكشف عن إنسان لا يحب الضوضاء الفكرية ولا يميل إلى الاستعراض البلاغي بل يثق بالمعرفة الهادئة وبقوة التوثيق الدقيقة ولهذا نادرا ما نجد في كتاباته انفعالا خطابيا حادا حتى عندما يتناول موضوعات مرتبطة بالهوية أو التاريخ أو القضايا القومية لأنه كان يدرك أن الصراخ قد يثير العاطفة مؤقتا لكنه لا يصنع معرفة حقيقية تبقى مع الزمن
وهذه السمة تمنحه مكانة خاصة بين الباحثين العراقيين لأنه جمع بين روح المؤرخ ودقة الأرشيفي وحساسية الأديب في آن واحد فالمؤرخ التقليدي يهتم غالبا بالأحداث الكبرى والوثائق الرسمية أما عطا ترزي باشي فكان يرى أن التاريخ الحقيقي يعيش أيضا داخل التفاصيل اليومية التي قد تبدو عابرة ولهذا اهتم بالأمثال الشعبية والأغاني والحواريات واللهجات بنفس القدر الذي يهتم فيه الباحثون الآخرون بالمعاهدات السياسية أو السير العسكرية
ومن اللافت أيضا أن مشروعه الثقافي لم يكن موجها إلى النخبة وحدها بل كان موجها إلى المجتمع كله فكتبه لا تشعر القارئ بالاغتراب أو التعالي الأكاديمي لأنها مكتوبة بروح إنسان يعرف الناس جيدا ويشعر بقيمتهم الإنسانية ولهذا فإن القارئ يخرج من أعماله بإحساس دافئ بأن الكاتب لم يكن يدرس المجتمع من الخارج بل كان يعيش داخله ويتنفس تفاصيله اليومية
وحين نقارنه ببعض الأسماء العراقية الكبرى تتضح فرادته بصورة أكبر فمثلا كان مصطفى جواد يمثل صورة العالم اللغوي الموسوعي الذي يمتلك حضورا أكاديميا وهيبة علمية وقدرة مدهشة على التصحيح اللغوي والتاريخي بينما كان عطا ترزي باشي أكثر هدوءا وأقل ميلا إلى الظهور وأقرب إلى صورة الراهب الثقافي الذي يقضي عمره بين الكتب والوثائق خوفا على الذاكرة من الضياع أما جواد علي فقد انشغل ببناء مشروع حضاري شامل لفهم تاريخ العرب والإسلام بينما اختار عطا ترزي باشي أن يغوص داخل الطبقات الدقيقة للحياة اليومية وأن ينحني على اللهجات والأغاني الشعبية بوصفها مفاتيح لفهم المجتمع من الداخل لا من أعلى التاريخ فقط
وحتى حين نقارنه بباحثين اهتموا بالفولكلور والتراث الشعبي مثل عبد الحميد العلوج فإننا نجد أن عطا ترزي باشي امتلك بعدا وجدانيًا أكثر وضوحا لأن أعماله لا تبدو مجرد دراسات أكاديمية باردة بل تبدو أحيانا وكأنها رسائل حب طويلة إلى مدينة يخشى عليها من النسيان وكأن كل كتاب من كتبه كان محاولة لإنقاذ جزء من روح كركوك قبل أن يبتلعه الزمن
ومن أعظم ما يميز شخصيته أيضا أنه لم يكن أسير اللحظة السياسية فالكثير من الكتّاب الذين عاشوا في القرن العشرين ارتبطت شهرتهم بالمواقف السياسية أو الصراعات الفكرية السائدة ثم تراجع حضورهم مع تغير الظروف أما عطا ترزي باشي فقد بقي حاضرا لأن مشروعه كان أعمق من السياسة المؤقتة لقد كان مشروعا حضاريا وإنسانيا يتعلق بحفظ الذاكرة الثقافية للمجتمع ولهذا ازدادت قيمة أعماله مع مرور الزمن بدلا من أن تتراجع
إن الإنسان حين يقرأ مؤلفاته اليوم يشعر أن الرجل كان يمتلك وعيا مبكرا جدا بخطورة النسيان الحضاري وكأنه كان يرى المستقبل بعين داخلية حادة فقد فهم أن التحديث السريع والهجرات والتحولات السياسية قد تؤدي إلى ذوبان كثير من الخصوصيات الثقافية المحلية ولهذا حاول أن يثبت تلك الخصوصيات داخل الكتب كي لا تختفي تماما
وهنا تكمن عظمته الحقيقية لأنه لم يكن يجمع التراث بدافع الحنين الرومانسي فقط بل بدافع إدراك فلسفي عميق بأن الإنسان بلا ذاكرة يتحول إلى كائن هش فاقد للجذور وأن المجتمع الذي ينسى أغانيه ولهجته وحكاياته الشعبية يبدأ تدريجيا بفقدان توازنه الروحي حتى لو بدا قويا من الخارج
لقد كان عطا ترزي باشي يدرك أن الثقافة ليست زينة إضافية للحياة بل هي البنية الداخلية التي تمنح المجتمع إحساسه بالاستمرار ولهذا لم يكن اهتمامه بالفولكلور مسألة سطحية أو ترفا معرفيا بل كان جزءا من رؤية حضارية متكاملة ترى أن الأمثال الشعبية والأغاني والحكايات ليست مواد للتسلية فقط وإنما وثائق نفسية تكشف كيف كان الناس يفكرون ويحلمون ويحبون ويخافون عبر الزمن
ومن هنا يمكن فهم لماذا بقيت مؤلفاته حية حتى اليوم ولم تتحول إلى كتب مهملة داخل الأرشيفات لأن القارئ لا يجد فيها معلومات فقط بل يجد فيها حياة كاملة يجد فيها صوت الإنسان العراقي البسيط وهو يتحدث بلغته اليومية ويغني ويضحك ويحزن ولهذا تتحول القراءة إلى تجربة وجدانية لا إلى مجرد عملية معرفية جافة
ولعل أكثر ما يثير التأمل في شخصيته هو ذلك الإخلاص الطويل للعمل الهادئ فالرجل قضى عقودا كاملة يجمع ويوثق ويحقق دون أن يبحث عن ضجيج الشهرة السريعة وهذه السمة تكشف عن نوع نادر من البشر الذين يعملون للمستقبل أكثر مما يعملون للحاضر فالأشخاص الباحثون عن المجد السريع يفضلون الأعمال التي تمنحهم حضورا إعلاميا فوريا أما عطا ترزي باشي فقد اختار طريقا بطيئا وشاقا لأن هدفه لم يكن التصفيق المؤقت بل بناء ذاكرة تبقى للأجيال القادمة
ولهذا فإن قيمته اليوم لا تنحصر في كونه باحثا تركمانيا أو كركوكيا فقط بل تتجاوز ذلك إلى كونه واحدا من أهم حرّاس الذاكرة العراقية الحديثة لأن العراق بوصفه بلدا متنوعا عاش دائما على تعدد أصواته ولهجاته وثقافاته المحلية وأي ضياع لهذا التنوع يعني ضياع جزء من روح العراق نفسه
ومن هنا يصبح عطا ترزي باشي أكثر من مجرد كاتب إنه شاهد حضاري على مرحلة كاملة من تاريخ العراق الثقافي وشخصية استطاعت أن تحوّل الحب العميق للمدينة والناس والتراث إلى مشروع فكري متكامل بقي أثره حيا رغم تغير الأزمنة وتعاقب الأجيال
وحين نتأمل القيمة الإنسانية العميقة لمشروعه ندرك أن أعظم ما فعله لم يكن فقط حفظ التراث التركماني أو توثيق لهجة كركوك أو جمع الأغاني الشعبية بل حفظ الإحساس الإنساني بالمكان فالمدن ليست حجارة فقط وإنما ذاكرة شعورية يعيش الناس داخلها وعندما تضيع هذه الذاكرة تتحول المدن إلى أماكن بلا روح ولهذا يمكن القول إن عطا ترزي باشي أنقذ جزءا من روح كركوك من الغياب وترك للأجيال القادمة نافذة تطل منها على عالم كان يمكن أن يختفي تماما لولا جهده وصبره وإيمانه العميق بأن الذاكرة تستحق أن تُحمى
إنه يمثل في النهاية صورة المثقف الذي لا يكتب ليقول للناس انظروا إليّ بل يكتب ليقول انظروا إلى هؤلاء البسطاء الذين يصنعون روح المجتمع قبل أن يختفوا دون أن يتركوا أثرا وربما لهذا السبب تحديدا بقي اسمه حاضرا في الذاكرة الثقافية العراقية لأنه لم يكن يكتب عن نفسه بقدر ما كان يكتب عن الإنسان وعن المدينة وعن الزمن الذي يسرق الأشياء الجميلة بصمت بينما يقف هو وحيدا حاملا مصباح المعرفة كي لا تنطفئ الحكاية الأخيرة.
